النّزاعاتُ العربيّة – العربيّة بينَ الواقع المأزُوم والحُلول المُغيَّبة

أفقنبيل علي صالح*

في المبدأ، يجتمع قادةُ العرب وزعماؤهم لحلّ خلافاتهم ومُعالَجة نزاعاتهم، والسعي لتمتين علاقتهم، وتطوير واقع مجتمعاتهم وتفعيل وجودهم ودورهم بين البلدان والقوى الدوليّة. لكن للأسف، ما زالتِ القممُ العربيّة تنعقدُ كلّ عام، لتبقى معها مشكلاتُ العرب ونزاعاتهم من دون أيّة حلول ومُعالجات جديّة جذريّة، فتستمرّ وتتوالد وتتحوَّل إلى عقباتٍ دائمة التواجد في واقعهم السياسيّ والاقتصاديّ والجيوسياسيّ، بما يؤثِّر سلباً على أدوارهم وعلاقاتهم ومصائر شعوبهم، ليعيشوا معها ومن خلالها واقع الارتهان والابتزاز وتبديد الموارد والطّاقات.

ومع أنّهم يمتلكون ثرواتٍ هائلة ويحوزون على مقدّرات ضخمة، يُمكن أن تؤهّلهم لبناء دول قويّة ومُجتمعات مزدهرة ومتطوّرة، وبناء مواقع قوّة وتأثير لهم في عالَم الأقوياء، فإنّهم يظهرون في واقعهم السياسي والاقتصادي الإقليمي والدولي ضعفاءَ مُشتَّتين عاجزين (ليس عن حلِّ) بل حتّى عن مجرّد “حلْحَلْة” أيّة مشكلة أو أزمة تواجههم وتعترض مسيرتهم، كما يقول القرآن الكريم: ﴿..تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى..﴾ (سورة الحشر/ 14)، بحيث لا يُحسب لهم أيُّ حسابٍ في مُعادلات القوّة والحضور والتأثير العالميّة، ليكونوا كالريشة في مهبّ رياح (وأهواء) مصالح الدول الأخرى.

عندما تتحوّل الاختلافات في المصالح إلى خصومة ماديّة عنفيّة ميدانيّة

مع تقديرنا ووعينا لمسألة تعدُّد مصالح الدول ووجود خلافات واختلافات في وجهات النَّظر في ما بينها، حول قضايا وأحداثٍ كثيرة، فإنّ هذا لا يجب أن يشكّل نواةً أو دافعاً لبقاء الانقسامات والخلافات بين العرب، وتحوّله إلى صراعاتٍ دمويّة مكلفة تدفع ثمنَها شعوبُهم ومجتمعاتُهم، لأنّه أمر مقدور عليه لجهة إمكانيّة حلّه بالحوار، سلميّاً وسياسيّاً، إنْ حسنت النوايا وانفكّت قيود التبعيّة والارتهان للخارج.

إذاً، المشكلة والقضيّة الأساسيّة هنا هي عندما تتحوّل الاختلافات في الرأي والتبايُنات في المصالح من حالتها السياسيّة السلميّة الهادئة (التي قد تتمظهر بنوعٍ من الخصومة الرمزيّة والنفسيّة غير السلوكيّة) إلى حالة المُواجَهة والخصومة الماديّة العنفيّة الميدانيّة المترافقة مع بروز وتفجُّر مختلف مظاهر التدخُّل والفرْض والإكراه، واستخدام وسائل وسُبل وأدوات غير سلميّة في الوصول إلى الغايات والأغراض والمصالح المُستهدَفة. حيث إنّه من حقّ الدول والنُّظم والجماعات السياسيّة استعمال واستثمار ما هو متوافر وقائم بين أيديها من أساليب وأوراق تفاوض ومواقع قوى وضغط سلميّة للوصول إلى مصالحها وأهدافها بناءً على معايير القانون وضوابطه، وقوّة الحقّ المُستنِدة إلى ما تمتلكه من قدرات وطاقات وإمكانيّات داخليّة كبيرة منظورة وغير منظورة، وعلى مستوى متانة العلاقات والتحالُفات والمصالح الاستراتيجيّة التي يمكن أن تشبكها وتنسجها مع الدول والقوى والمراكز الدوليّة هنا وهناك.

وكمثال على هذا يُمكننا ملاحظة العلاقات القائمة بين أيّة دولة من الدول الغربيّة أو بين الاتّحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الأميركيّة، حيث نجد أنّ تلك الخلافات صحيّة تراكميّة إيجابيّة، مع وجود كثير من القضايا والمسائل السياسيّة والاقتصاديّة المُختلَف عليها؛ أي أنّ هناك اختلافاتٍ سياسيّة واقتصاديّة شديدة وعديدة بين القوّتَيْن المذكورتَيْن على مستوى طبيعة التعاطي والتعامل مع كثير من الملفّات السياسيّة الساخنة والقضايا الاقتصاديّة العالقة. ولكنّنا لم نشهد تحوُّل تلك الاختلافات إلى حالةِ التنابُذ والخصومة الماديّة العسكريّة، لا بل أكثر من ذلك ربّما حدثَ تحوُّلٌ في موقف أحد الأطراف نتيجة الحوار والاشتباك السياسي إلى موقف آخر جديد قد يتطابق مع موقف خصمه السياسي. وحتّى لو دخلت العلاقات السياسيّة والشخصيّة حدود الخصومة والاشتباك السياسي والإعلامي، فإنّها لا يجب أن تصل حدّ قطع العلاقات أو الجفاء السياسي أو تدفيع المجتمعات والناس ثمن تلك الخلافات في وجهات النَّظر وتبعاتها. لأنّ الدول هناك محكومةٌ بعقليّةٍ سياسيّة مؤسّسيّة بعيدة عن الخضوع والارتهان لأمزجة الأشخاص وأهوائهم ومصالحهم، بل محكومة وخاضعة لمصالح دول ومجتمعات بأكملها..!!

أمّا في حالتنا العربيّة، بحسب ما نستهدفه في مقالتنا هذه، فالقاعدة هنا هي الاستثناء عند الآخرين، والقاعدة عندنا، في اجتماعنا السياسي العربي، هي أنّ التبايُن بين النّخب السياسيّة العربيّة الحاكمة حول موضوعٍ من الموضوعات الخلافيّة المطروحة (وما أكثرها عند أمّة العرب!!) يشكِّل مدخلاً للقطيعة والجفاء والتباعُد والتدافُع والتوتُّر وإذكاء مواقع الانقسام والتدخُّل على الأرض في الشؤون الداخليّة لهذا البلد أو الفريق ضدّ الفريق الآخر، والتي قد تقود المُجتمعات والأفراد إلى أن تدفع أثماناً باهظة جدّاً من معيشتها ومستقبلها وأمنها واستقرارها، بخاصّة على مستوى إبطاء عجلة تقدّمها وإعاقة تطوُّرها ونهضتها، وتوقُّف خطط وبرامج التنمية فيها. والأمثلة كثيرة جدّاً في سوريا والعراق ولبنان واليمن واليوم في السودان للأسف!!

وتتنوَّع حالة النّزاعات العربيّة – العربيّة من المحيط إلى الخليج، ولكنّها تخفي الارتهانَ للمصالح الخاصّة والسماح بالتدخّلات الخارجيّة، التي تأخذ ظاهريّاً بمبادئ سياسيّة إنسانيّة وأخلاقيّة. فبعض تلك النزاعات ذو منشأ عِرقي (حالة السودان بين شماله وجنوبه سابقاً)، وبعضها ذو منشأ قومي (الأكراد والعرب وغيرهم من الأقوام)، وبعضها الآخر ذو منشأ وبُعد ديني وعشائري أقلّوي أو أكثري (الصراعات اللّبنانيّة والعراقيّة وغيرها) …إلخ. كما أنّ هناك خلافات مستديمة دائمة بين معظم تلك الدول العربيّة وبين جماعاتها ومكوّناتها المجتمعيّة في الداخل لم تُحسم إيجاباً حتّى تاريخه. ونعني بكلمة إيجاباً عدم وجود نُظُمٍ سياسيّة شرعيّة مُنتخَبة طوعيّاً ومباشرةً من الناس، وفقدان المناخات السياسيّة الصحيّة السلميّة التي كان من المُمكن، كما هو موجود في الكثير من المُجتمعات السياسيّة الديمقراطيّة الحديثة، أن تشكِّل مظلّة قانونيّة مؤسّساتيّة تعمل تحتها مجموعةُ التنوُّعات والأحزاب والتشكيلات والتيّارات السياسيّة تحت سقف المُواطَنة الصالحة والحُكم التعدُّدي الديمقراطي السلمي خدمةً للوطن والصالح العامّ.

طبعاً وللأسف، نقول إنّ الجامعة العربيّة التي يستظلّ بها العربُ جميعاً لم تتمكَّن طيلة فترة وجودها منذ أوّل تأسيسها قبل حوالي سبعة عقود خلت من حَسْمِ كثيرٍ من ملفّاتنا العربيّة الساخنة، بل كان للدول الإقليميّة والدوليّة الكبرى، الأثر والدَّور الأكبر فيها (سلباً أم إيجاباً). كما أنّ القائمين على شؤون تلك الجامعة وشجونها، على اختلافهم وتبايُن انتماءاتهم ومصالحهم ومراكز قوّتهم، لم يستطيعوا دفْعَ أيّة دولة عربيّة موقِّعة على ميثاق الجامعة إلى التراجُع عن موقفٍ أو قرارٍ سياسيّ متهوّر مثلما جرى مع ملفّ الغزو العراقي للكويت مثلاً، حيث لا يزالُ العرب، والعراق والكويت على وجه الخصوص، يدفعون جميعاً التكاليف والأعباء الماديّة الباهظة لذلك الحدث المشؤوم. 

وربّما كان السبب الأساسي لوجود مثل هذه النّزاعات والخصومات السياسيّة العنيفة بين الدول العربيّة (بما فيها من حروب وتدخّلات عبر قوى حزبيّة مليشياويّة وغيرها من قِبَلِ هذه الدولة ضدّ تلك الدولة) هو تغلْغُل حالة الانشطار والتشظّي الاجتماعي والتفكُّك السياسي الموجودة بصورة عميقة في داخل كلّ مُجتمع من مُجتمعاتنا العربيّة، أي وجود حالة شبه حرب أهليّة كامنة غير مُعلَنة أو متفجّرة على السطح كما هي حالة اليمن أو لبنان أو الصومال أو السودان أو العراق وغيرها. ما يعني أنّ العلّة أوّلاً وأخيراً داخليّة ذاتيّة، وأنّ المرض جوّاني قبل أن يكون خارجيّاً، وقائم في كثير من دولنا ومجتمعاتنا العربيّة في الأساس، لأنّه عندما يقوم أيُّ نظامٍ سياسي (في أيّة دولة عربيّة) على قواعد سياسيّة هشّة تفتقد للشرعيّة الطوعيّة، عندها من الطبيعي ألّاتتجسّد خلافات هذا النظام أو ذاك سواء داخل مجتمعه (مع باقي التيّارات والأحزاب والجماعات السياسيّة المناوئة) أو خارجه (مع باقي الدول العربيّة الأخرى المُحيطة أو البعيدة عنه) على قاعدة الخصومة السياسيّة الحضاريّة السلميّة القائمة على الحوار والسّجال السلمي.

وإنّنا إذ نؤكِّد على أهميّة تلك الأسباب الداخليّة (السياسيّة منها والفكريّة والثقافيّة التاريخيّة العميقة) في وجود تلك النِّزاعات العربيّة العربيّة، وبقاء حالة التباعُد والتنابُذ العربي العربي، فيجب ألّا نغضّ النَّظر عن وجود دوافع ومسبّبات خارجيّة يُمكن ملاحظتها وضبْطها من خلال هذا الكمّ الهائل لحجْم التدخُّلات الدوليّة والإقليميّة السافرة في شؤون الواقع العربي الداخلي وقضاياه، والتي سمحت بها الحكومات والنُّظم. وهي لا تقتصر على تدخُّل إسرائيل ولا الغرب وأميركا فقط، وإنّما يُمكن ملاحظتها أيضاً، خلال السنوات وربّما العقود الثلاثة الأخيرة، من خلال تدخّلات دول الجوار والإقليم في شؤون العرب، بحيث إنّ الجميع واحد ومتوحّد في البحث عن مصالحه ومطامعه الاقتصاديّة وغير الاقتصاديّة!!

نحو النّهوض بمسؤوليّاتنا

طبعاً نحن لا نريد هنا في هذه العجالة الاستغراقَ في وصْفِ النتائج الكارثيّة التي أدَّت (وتؤدّي) إليها ديمومةُ تلك الصراعات والنّزاعات القائمة بين البلدان العربيّة، بخاصّة على مستوى تفكُّك الاجتماع السياسي والدّيني العربي وتشظّيه، وتحوّله إلى اجتماعٍ ضعيف ومضعضع وهشّ بما يفضي إليه من إبقاء العرب في حالة التخلُّف العلمي والاقتصادي والسياسي. فهذه أمور وتوصيفات أصبحت واضحة وماثلة أمام الجميع؛ ولكنّنا نريد هنا إبقاء الأسئلة والإشكاليّات مُثارة في الرأي العامّ، ليتحمّل الكلّ مسؤوليّاتهم الوطنيّة والمجتمعيّة أمام شعوبهم وأجيالهم الطالعة التي لا تزال تتحمّل أعباء سلبيّات العمل العربي المعقّد والخلافات العربيّة البَينيّة والعميقة، الداخليّة والخارجيّة، المُستشرية والمُمتدّة.

كما أنّنا نهدف إلى إبراز أهميّة إحداث تغييرٍ بنيوي نوعي في طبيعة آليّات العمل والتفكير والممارسة القائمة ونوعيّتها، والتركيز الدائم على إجراء إصلاحاتٍ في صلب الواقع العربي القائم من خلال القوى والنُّخب المستفيدة من التغيير والإصلاح الداخلي قبل الخارجي.

وفي ظنّي أنّ الطريقَ والمدخل المطلوب لإيقاف حالة النّزف الدائم في العلاقات العربيّة يمرّ بصورة قسريّة على مسار إصلاح الداخل في كلّ بلد عربي، عبر قيام إصلاحاتٍ سياسيّة تقوم بالعنوان الأوّلي على إعادة السياسة إلى حضن المُجتمع ككلّ، وإشراك الناس في صنع القرار ومسؤوليّتهم عنه بصورة جماعيّة. وهذا، مع أهميّة قيام النُّخب الفكريّة والثقافيّة والدينيّة العقلانيّة المتنوِّرة بالتركيز على أهميّة نقد التراث والتاريخ الذي لا يزال يرهن وجودهم للماضي العتيق بمُختلف تيّاراته وتصنيفاته وامتداداته وانتماءات أصحابه دونما تدقيق وعقْلَنة، وإعادة رسْم خطوطه بما يُناسِب تطوّرات الزمان والمكان.

إنّ قيامنا جميعاً كنُخبٍ عربيّة مثقَّفة، كلٌّ في مجال عمله واختصاصه المهني والفكري الرسالي، بمُمارَسة مسؤوليّاتنا التاريخيّة النوعيّة هو الطريق الآمن لتفجُّر الطّاقات العربيّة المهدورة والعمل على توظيفها في خدمة حاضر هذه الأجيال الغائبة المغيَّبة، ومستقبلها أيضاً.

*كاتب وباحث سوري

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*