الإعلام وترسيخ الصورة النمطية

بقلم – السالك زيد

تحمل عاداتنا المتوارثة كابرًا عن كابر، الكثير من الصور النمطية، عن القبائل والجهات والشرائح، بعضها للتنكيت، وبعضها للتنقيص من هذا الطرف أو ذاك. ورغم حياة الحداثة التي بات المجتمع يعيشها مرغمًا، فإنها لم تستطع حتى الآن أن تخرج تلك الصور النمطية من حياتنا اليومية. يزداد الأمر سوءًا، عندما نشاهد الإعلام في موريتانيا يشارك في ترسيخ تلك الصور، عن حسن نية أو سوء.

قبل يومين نشرت على صفحتي على موقع فيسبوك طلبًا موجهًا إلى وسائل الإعلام المحلية، يتمثل الطلب بضرورة مراقبة الإعلانات التي نشاهدها قبل كل نشرة أخبار، وذلك بعدما شاهدت إعلانين يتذمر فيهما أبطال الإعلانات من سواد البشرة، وتساءلت هل أصبح السواد شيئًا مذمومًا حتى يتذمر منه هؤلاء، رغم أن المنتجات المعلنة لا تتعلق بالبشرة؟

الكثير من أصدقاء الصفحة ومتابعيها ألقوا اللوم عليّ، مبررين أن القضية لا تحمل شحنة عنصرية، فيما ذهب البعض الآخر إلى أنني لدي عقدة من لوني لأنني أسمر. في هذا المقال أنا في صدد الرد على هؤلاء بأمثلة من داخل مجتمعنا وخارجه، لعلهم يعقلون.

الصورة النمطية عن الألوان والديانات والشعوب، موجودة في كثير من المجتمعات، لكن بعضهم يسخر الإعلام والسينما وغير ذلك من وسائل الاتصال، لترسيخ صورة معينة عن شيء معين داخل مجتمع ما.

فمثلا لننظر إلى صورة العرب في هوليوود، لقد درس الناقد السينمائي من أصل لبناني جاك شاهين أكثر من ألف فيلم تتطرق للعرب، وحسب الناقد فإن 12 فيلمًا فقط هي التي كانت نظرتها إيجابية، فالعربي عند هؤلاء، شرير وغبي، ويمكن قتله بسهولة.

وعندما ننظر إلى الصورة النمطية التي كانت السينما تظهرها عن السود في أمريكا، فسنجد كثيرًا من الأفلام، تظهر السود على أنهم بلهاء وساذجون، ولصوص وقتلة ومروجو مخدرات ويسهل خداعهم.

هل يمكن أن نقول إن هذا عن حسن نية؟ هل يمكن أن نعد من يرفض ترسيخ هذه الصورة النمطية لديه عقدة من عروبته بالنسبة للعرب، أو من السواد بالنسبة للسود؟

دعني عزيزي القارئ أعود بك إلى المجتمع الموريتاني، ودور الإعلام الوطني في ترسيخ الصورة النمطية عن السود، ودعنا نراه عن حسن نية، ودعنا نتفق على أنه يجب أن يتوقفوا عنه، ما دامت كذلك.

ذكرت في بداية المقال أمثلة في الإعلانات تجسد النظرة النمطية إلى اللون الأسود على أنه لون غير مرغوب فيه، ومع بث تلك الإعلانات لا غرابة إذا ظهر جيل ينظر نظرة عنصرية إلى اللون الأسود.

إضافة إلى قضية اللون، سأعبر بك أيها القارئ إلى قضية الظهور عمومًا في البرامج والنشرات التلفزيونية. ففي التلفزيون الرسمي، تظهر شريحة العبيد السابقين «لحراطين» وكأنها شريحة لا تصلح سوى للرقص والغناء، لكنك قلما تشاهد فردًا من هذه الشريحة مقدمًا لبرنامج مهم في القناة، أو لنشرة الأخبار.

هنا ما الانطباع الذي سيبقى في ذهن المشاهد؟ وما النظرة النمطية السائدة عن هذه الشريحة؟ طبعًا كلكم تعرفون، ألا تجذرها هذه السياسة. طبعًا لا أطالب بالتوقيف عن بث رقص وأغاني الشريحة لأنه جزء لا يتجزأ من تراثها وتراث المجتمع، لكن أطالب بشدة أن يظهروا على الشاشة كما يظهر غيرهم، لكي يحصل التوازن، وتساعد القناة في محاربة تلك النظرة النمطية؛ لأنه كلما ظهر فرد منها، تعوَّد المجتمع على أن هذه الشريحة لم تعد كما كانت، جاهلة متخلفة، لا تصلح سوى للرقص والغناء.

هذا لا يخص شريحة العبيد السابقين فقط، بل أيضًا شريحة «لمعلمين» الحدادين التقليديين، الذين يعدون ربما أكثر تعلمًا من الشريحة الأولى، ومن خلالهما إلى كل الشرائح الأخرى.

إن الحديث عن ترسيخ النظرة النمطية لشريحة أو لون أو عرق أو دين أو شعب، لا دخل له بالشعور بالدونية أو العقد، وإنما حق ككل الحقوق. وكما خرج السود في السينما من ثوب البلهاء اللصوص، إلى ثوب الأبطال والأدوار الرئيسية، فإننا نطمح أيضًا أن نخرج من الثوب التقليدي المتجذر في عقيدة المجتمع وترسخه وسائل الإعلام.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


48 − = 41