محاولة لفهم الزلزال!

بقلم – عبدالله أطويل

سجلت صفحات التاريخ الجيولوجي للمغرب مند الماضي حدوث الهزات الأرضية والزلازل. ذلك راجع لكون البلد يقع على الحدود االشمالية للصفيحة الأفريقية الزاحفة نحو الصفيحة الاوروأسيوية من الشمال واتجاه الصفيحة العربية من الشرق. وهذا المعطى الجيولوجي يجعل بعض المدن المغربية معرضة للهزات الزلزالية وهي المدن الشمالية المتواجدة قرب حدود الصفيحة الأفريقية ومعها مدن جزائرية وليبية. يُرجع الراسخون في فقه الجيولوجيا زلازل المنطقة إلى هذه الدينامية الجيولوجية، ولعل أبرز مثال هنا هو زلزال الحسيمة سنة 2004، وقبله زلزال مضيق جبل طارق 1969 الذي وصل تأثيره عدة مدن بشمال المغرب راح ضحيته 11 قتيلا مغربيا وبرتغاليين اثنين، وقبل ذلك نذكر زلزال ليشبونة 1755 الذي كان الأعنف في منطقة التقارب، قُدِّر ضحاياه ما بين 60000 الى 100000، مفقود بين برتغاليين واسبان ومغاربة، إذاك اهتزت الأرض تحت معضم المدن المغربية على الشريط الساحلي بين طنجة والدار البيضاء إلى جانب مدن ساحلية إسبانية وبرتغالية. كل هذه الهزات الأرضية المذكورة مفسرة بظاهرة تكونية الصفائح “la tectonique des plaques” وهو أمر معروف لدى الجيولوجيين. الأمر نفسه بالنسبة لزلزال 8 شتنبر بالحوز، رغم اختلاف طفيف في التفسير الجيولوجي على اعتبار مركزه “Epicentre” البعيد عن حدود الصفيحة الأفريقية، سواء من جهة الصفيحة الاوروأسيوية أو الصفيحة الأمريكية أو الصفيحة العربية. ويمكن تفسير هذا بوجود ما يسمى بالفالق الكبير بمنطقة الأطلس الذي يمتد من نقطة ساحلية بمقربة من مدينة أكادير إلى شرق الجزائر ويعتبر حزام نشيط جيولوجيا، كما أنه يفسر نشوء سلاسل جبال الأطلس، إلى جانب وجود قوى باطنية نتيجة الضغط التكتوني التجابهي من الصفيحة الاوروأسيوية من جهة والصفيحة العربية من جهة أخرى. هذه الفوالق بمنطقة الأطلس المكونة للفالق الكبير سبقت وأعطت زلزال أكادير يوم 29 فبراير 1960، وكان زلزالا مدمراً أسقط ثلث المدينة، كما عزت المصادر الجيولوجية زلزال الأصنام الجزائرية “الشلف حاليا”، والذي اهتزت المدينة اثره نونبر 1980، لنفس الخط الجيولوجي. بهذا الاستهلال العلمي والتاريخي، سيبدو أن زلزال الحوز يبقى من أعنف الزلازل التي عرفتها المملكة المغربية، حيث وصلت شدته 7 درجات على سلم ريختر حسب المرصد الوطني للجيوفيزياء، وعدد القتلى ناهز 3000 قتيل حسب معطيات وزارة الداخلية، كما أن عدد المتضررين بفقدان منازلهم بشكل كلي أو جزئي قد يفوق 300000 حسب منظمة الصحة العالمية.

ندع العلم ونظرياته جانبا، ونعمق كلمات المقال بجوانب سوسيولوجة حتى يتسنى لنا الإحاطة به من جوانب شتى، فقد كان المصاب جللاً عند المغاربة شعباً ومَلكاً. صحيح أن مقياس ريختر سجل 7 درجات في قياسه لشدة زلزال جبل ايغيل، لكنه، عجز عن قياس شموخ القيم لدى الشعب المغربي، كيف له ذلك وعموم أطياف الشعب المغربي بصغيرهم قبل كبيرهم، انخرطوا في مساعدة ودعم إخوانهم المتضررين بما ملكت أيديهم. المتأمل لحجم قوافل المساعدات العينية والمعنوية تجاه المناطق الأكثر تضررا لا يسعه إلا أن يقف مذهولا متسائلا عن سر هؤلاء. في علم الاجتماع الكلاسيكي مع “اوكوست كونت” و”اميل دوركهايم” يبدوا حسب النظرية الوظيفية في بناء المجتمع وكذلك نظرية تقسيم العمل أن مفهوم التكافل الاجتماعي ميكانيزم مهم لتحقيق ما يسمى بالتكامل العضوي، وهذا أساسي لتقوية أواصر المجتمع وتمتينه.
إنه لعظيم عن الوصف أن ترى سبيعيني على دراجته الهوائية يتقدم بكيس من دقيق لأحد فضاءات جمع التبرعات، رغم أنه من الممكن أن يكون بحاجة إليه، لكن آثر على نفسه إلا أن يؤازر إخوانه. أو حين ترصد الكاميرا خطوات متتاقلة لعجوز طاعنة في السن تحمل قارورة زيت لإرسالها مع أحد القوافل، ثم هل أحدثك عن صغيرة ترسل دميتها الجميلة وبرسالة من كلمات مليئة بالحب والكرم. ومشاهد كثيرة اختلفت فيها الهدايا، من مواد غدائية وأفرشة وأغطية إلى لعب للأطفال. دون أن ننسى حملة التبرع بالدم التي كان ملك البلاد أول المشاركين فيها. إنها لمشاهد جليلة ودروس عظيمة لتآزر الشعب، كان الشعب للشعب وقت المحنة. كبريات القنوات الصحفية الدولية انبهرت بهذا التلاحم الوطني الكبير. استهللنا المقال باسترداد تاريخي، ولأن الشيء بالشيء يذكر فالتاريخ سيجرنا للحديث عن مقولة قالها الحجاج بن يوسف الثقفي سيف الدولة الأموية المسلول، حين وصف المغاربة فقال، “المغاربة لا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم، فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه، فانتصر بهم فهم خير أجناد الأرض”.

إذا صحت لازمة لكل كارثة دروس وعبر، فدرس زلزال الحوز أوضح لنا أن هناك مغرب ما وراء الجبال، صحيح أن البلد قطع أشواط في التقدم إلا أنه هناك خلف الجبال مغرب ما قبل التاريخ بل ما قبل الجغرافيا لا زال فيه الناس يسكننون بيوت الطين. أما آن الأوان لتوجيه قاطرة التنمية نحوهم حتى نحلم غذا بالمغرب الجميل من دون وصف “العميق”. كما أن هذا الدرس لا يخلوا من مدى تلاحم الشعب المغربي، فبدى للعالم بأسره أن في قلب كل مغربي حاتم الطائي. إنه لشعب عظيم، يستحق مسؤولين ومنتخبين سياسيين يعرفون قيمة هذا الشعب، لا مسؤولين يوزعون العناق والقبلات وقت الحملة الانتخابية، ويَسْتنُّون بسنة النعامة زمن الأزمة.

للزلزال تفسيرات علمية، يختص بهذا الخبراء والعارفون بخبايا الجيولوجيا. كما يبدو تعبيراّ عن عظمة الخالق وشؤون الله في كونه من زاوية نظر آخرين. وهذا أمر طبيعي، بل تلك هي الطبيعة بعينيها، لكن الأدهى والأمر هو ترويج الأكاذيب وتناقل الأراجيف والتراهات من قبيل نظرية المؤامرة وافتعال الزلازل. وهذه الأباطيل تم تدويرها بشكل كبير خصوصا من جانب اللاهتين وراء نسبة المشاهدات واللايكات، وذئاب الشوشل ميديا التي تقتات على نزيف ضحايا الكوارث والمنكوبين. نفس الأمر عند تلة ثالثة تعزي الزلزال إلى انتقام الخالق من مخلوقه، في تسفيه للدين وتبخيس للعلم، من غير هدى ولا كتاب منير. صدق الغيوان حين قالوا “مايهموني غير الرجال الى ضاعوا أما الحيوط الى رابوا كلها ابني دار”.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*