منْ يكسر عظام منْ في السودان؟

بقلمنبيه البرجي*

وأنتَ تعلم أنّ المصريّين القدامى كانوا يطلقون على السودان اسم “تانهسو”، أي “أرض الأرواح” أو “أرض الآلهة”، لا بدّ أن يعتريك الذهول حين يصف الطيّب صالح، صاحب “موسم الهجرة إلى الشمال” المشهد السياسيّ في بلاده بهذا المصطلح السرياليّ “الصوفيّة الماركسيّة”.

انفجارٌ لغويّ أم انفجارٌ فلسفيّ بين هاتَيْن الكلمتَيْن اللّتَيْن لا تلتقيان أبداً؟ كيف للماركسيّة التي أزالت أيّ أثرٍ للروح في المسار التاريخي للبشريّة أن تكون صوفيّة، وحيث الذوبان في أقاصي الروح، كنقطة استقطاب في التشكيل الإيديولوجيّ للخليقة؟ 

لكنّ الطيّب صالح يقول لك إنّ مفكّري الحزب الشيوعي في السودان، وقد تأسّس في العام 1946، تمكّنوا من زعْزَعة عظام كارل ماركس في قبره في لندن، وكان إذاً هذا الاختراق الزلزالي لتلك الإيديولوجيا، حتّى أنّ أمين عامّ الحزب محمّد ابراهيم نقد، كان يغادر اجتماع الّلجنة المركزيّة في اتّجاه المسجد لأداء الصلاة. 

هوذا بلد التناقضات. المؤرّخون يقولون إنّ السودان الذي وُجِد فيه النوبيّون منذ 5000 عام، كان على مدى قرونٍ ضحيّة الصراعات الدمويّة، مع أنّ النيل الذي وصفه الشاعر محمود حسن إسماعيل بـ “مسافرٌ زاده الخيال” (وغنّى القصيدة محمّد عبد الوهّاب) يفترض أن ينعكس، وجدانيّاً، في اللّاوعي الجمعي، تبعاً لما قاله المُستشرق البريطاني فريدريك غودال (1822 – 1904).

النيل الأحمر

حين قام إبراهيم عبّود بأوّل انقلابٍ عسكري في العام 1958، كان على الصادق المهدي أن يكتب عن “الصراع بين النخلة والدبّابة”. المُثير أنّ زعيم “حزب الأمّة” وحفيد قائد الثورة المهديّة محمّد أحمد المهدي، توقّع أن يكون ما حدث في “ذلك اليوم الأسود” تحوّلاً دراماتيكيّاً في تاريخ البلاد، لأنّه شرّع الأبواب أمام سلسلة من الانقلابات العسكريّة التي لا بدّ أن “تغرقنا في نهرٍ آخر هنا، ليس النيل الأبيض، ولا النيل الأزرق.. بل النيل الأحمر”.

وكان مستغرباً أنّ قائدَيْ أكبر جماعتَيْن دينيّتَيْن هما عبد الرّحمن المهدي (الأنصار) وعلي الميرغني (الطائفة الختميّة) أيّدا الانقلاب. في وقتٍ لاحق قالا إنّ “لعنة العسكر ستُلاحقنا حتّى القبر”. 

هي حقّاً “لعنة العسكر”، باستثناء عبد الرّحمن سوار الذهب الذي ارتضى أن يتولّى مؤقّتاً رئاسة الجمهوريّة (6 نيسان/ إبريل 1985 – 6 أيّار/ مايو 1986)، للانتقال بالبلاد، وبالتنسيق مع قادة الانتفاضة التي اندلعت آنذاك، إلى الحُكم المدني. الآخرون كانوا قادة الخراب. جعفر النميري الذي أسَّس للحرب الأهليّة بين الشمال والجنوب، نصَّب نفسه أميراً للمؤمنين. وكان يظهر في الصور متعبّداً يقرأ القرآن، في حين أنّ رفاقه كانوا يتحدّثون عن شخصيّته المكيافيليّة، وحيث “الشبق الهستيري” للسلطة، حتّى أنّه قام بالانقلاب، وهو برتبةِ عقيدٍ ليرفع الرتبة إلى مشير (ماريشال)، هذا من دون أن ننسى الثمن الذي تقاضاه لقاء “صفقة الفالاشا” (يهود أثيوبيا). هكذا ظلّ التدهور يزداد يوماً بعد يوم في السودان تزامُناً مع الحروب الأهليّة المتنقّلة، ولا سيّما في إقليم دارفور، حيث كانت المشاهد الأبوكاليبتيّة في عهد عمر حسن البشير: قرى تحترق، جثث مُبعثَرة في مديات العراء، اغتصابٌ للنساء، ما حَمَلَ المحكمة الجنائيّة الدوليّة على إصدار مذكّرة توقيف بحقّه. 

غالباً ما تكون للهيئات القضائيّة الدوليّة خلفيّات سياسيّة تفرضها القوى العظمى. المُلاحَقة توقّفت حين وقّع البشير بعصا الماريشال التي كان يلوّح بها، مثلما يُلوِّح رُعاة الماعز بِعِصيّهم، على وثيقة انفصال الجنوب (644.329 كيلومتراً مربّعاً، وبثروات معدنيّة هائلة). وكان للمفكّر السوداني عبد الله علي إبراهيم، أستاذ تاريخ الإسلام وإفريقيا في جامعة ميسوري الأميركيّة، أن يقول: “أمام ذلك المَشهد، شعرتُ أنّ جزءاً من قلبي قد مات”! 

تفكيك السودان لطالما كان هاجس العديد من الساسة في لندن، إبّان الاحتلال البريطاني للبلاد. بعضهم كان يتوجّس من حُلم محمّد علي باشا الذي كان يتطلّع إلى إمبراطوريّة لا تكتفي بمُنافسة الإمبراطوريّة العثمانيّة فقط، بل وبالحلول محلّها، انطلاقاً من مصر والسودان. 

إبراهيم تحدّث عن التقاطُع التراجيدي بين آلام التاريخ وآلام الجغرافيا في بلده الذي لطالما نَظَرَ إليه الغربيّون كملتقىً حيويّ للطرق الإفريقيّة، إذ يربط بين أوروبا ومنطقة البحر الأحمر وأواسط إفريقيا. هذا ما أغرى الروس الذين كثيراً ما طرحوا مع مسؤولين في الخرطوم إقامة قاعدة بحريّة على البحر الأحمر الذي لا يُمكن إلّا أن يكون حلبة من حلبات الصراع الجيوسياسي والجيوستراتيجي حول ثروات المنطقة؛ مع الإشارة إلى أنّ طول الساحل السوداني يناهز الـ 853 كيلومتراً، في حين أنّ السودان يتاخم بريّاً 10 بلدان إفريقيّة؛ وهذه مسألة فائقة الحساسيّة على المستوى الاستراتيجي، على اعتبار أنّه يقابل بحريّاً دولاً محوريّة تتصدّرها المَملكة العربيّة السعوديّة.

جغرافيّاً على خطّ الصراع، ماذا حين نعلم أنّه يطفو فوق أوقيانوس من المعادن الثمينة: الماسّ والذهب واليورانيوموالكروم والمانغنيز والنّحاسوالحديد من دون إغفال الثروات الزراعيّة والحيوانيّة. وبعدما قيل في السودان إنّه سلّة غذاء العرب، بدا كما لو أنّه سلّة أحزان العرب، حين اقترب هذا البلد الذي يتردّى فيه المستوى المعيشي، أكثر من مرّة، من حافّة الجوع، فيما الجنرالات جاهزون لتأجير ظهورهم حتّى للشيطان، إذا كان ذلك يؤمّن لهم البقاء في السلطة. 

لم يعُد خفيّاً أنّ الأميركيّين يخوضون مع الصينيّين نوعاً من الصراع البارد فوق الأرض الإفريقيّة. “الفايننشال تايمز” وَصفت ما يحدث بـ “صراع المَناجم”. متى كانت القارّة السمراء لأهلها، ومن دون تدخُّل العالَم الصناعي، على غرار ما حدث في الشرق الآسيويّ؟

قارّة للآخرين. هذا ما حمل وول سوينكا، النيجيري الحائز نوبل للآداب 1968، على ابتداع تلك الصورة المروّعة، وحيث “الهياكل العظميّة تجرّ العربات الملكيّة”، ملاحظاً كيف أنّ أبناء القبائل الذين تعيش غالبيّتهم في الأكواخ “لترتفع ناطحات السحاب في أمكنة أخرى، وعلى ظهورهم”، ما زالوا يرقصون على وقع موسيقى “التام تام” إلى حدّ الهذيان. 

كثيراً ما تساءل السودانيّون ماذا فعل الجنرالات لهم، وقد تعاقبوا على السلطة منذ عقود طويلة، سوى أنّهم ينفّذون الأجندات الخارجيّة بإبقاء تلك الثروات في الثلّاجة بانتظار ما تأتي به الأعاصير الدوليّة؟ ما يلوح في الأفق أكثر ما يدعو الى الهلع. فريد زكريا، الكاتب الأميركي الهندي الأصل، كَتب في “التايم” عن “الأرواح الشرّيرة” التي تدفع الزمن إلى الوراء في أفريقيا.

الديموقراطيّة.. نظامٌ تافه 

لمَن يتتبّع شخصيّة عبد الفتّاح البرهان، وكان يفترض أن يكون امتداداً لعائلته الصوفيّة، يبدو أنّه مالَ إلى “الإخوان المُسلمين” من منظور حسن الترابي، الذي أخذ عن حسن البنّا، مؤسِّس الجماعة، نظرته إلى الديمقراطيّة كـ”نظام تافه ومُتداع …”. الترابي إيّاه الذي نقلَ عنه يوسف القرضاوي، وقد حذّره من التعاون مع العسكريّين، قوله “لينقلبوا ونسقطهم …”. ولكن ماذا حصل له على يد عمر حسن البشير الذي حمله على كتفَيْه إلى السلطة؟

“الإخوان المسلمون” ينقلبون ويُسقطون الديمقراطيّة. التوتاليتاريّة بالبُعد الثيوقراطي في اعتقادهم ضرورة إيديولوجيّة لبناء مُجتمعات متراصّة (المقصود هنا مُجتمعات معلَّبة) ومُقفلة في وجه الحداثة الغربيّة بـ”موبقاتها القاتلة.

البشير (كصنيعة للترابي) نكَّل إلى أبعد مدىً بمَن كان يعتبره “الأب الروحي”. في شهر أيّار/ مايو 2000 أَمَر َبحلِّ الأمانة العامّة لحزب المؤتمر الوطني برئاسة الترابي الذي، إذ حُظِّر عليه الدخول إلى مقرّ الحزب، فقد خسر آخر مناصبه ومعاقله الرسميّة. 

لكنّ الترابي أصرّ على المواجهة. في 19 شباط/ فبراير 2001 أعلن أنّ حزبه الجديد (المؤتمر الوطنيّ الشعبيّ) وقّع مذكّرة تفاهم مع زعيم “الحركة الشعبيّة” في الجنوب جون قرنق الذي كان البشير يعتبره “عدوّ النّظام الأوّل”. على الأثر طوَّقت قوّةٌ أمنيّة منزل الترابي، واقتادته إلى سجن كوبر، ليمضي بقيّة حياته بين السجن والإقامة الجبريّة. 

منذ اليوم الأوّل للانقلاب الأخير (25 تشرين الأوّل/ أكتوبر2021) بدا واضحاً أنّه انقلاب برأسَيْن. الانقلاب الهجين الذي لا بدّ أن يعقبه انقلاب آخر. كيف لعبد الفتّاح البرهان أن يكون في موقع الندّ للندّ مع مَن يُفترض أن يكون، كأيّ عضوٍ آخر، في هيكليّة السلطة، أي مع محمّد حمدان دقلو (حميدتي)؟. الأوّل ترعرع، وتدرَّج داخل المؤسّسة العسكريّة. والثاني قائد ميليشيا “الجنجويد” الذي توقّف عن الدراسة في سنّ الخامسة عشرة، ليبرع في تجارة الإبل والأقمشة.

وإذ ينتمي “حميدتي” إلى فخذ “المحاميد” في قبيلة الهلاليّة البدويّة العربيّة، بامتدادها في “دارفور” و”كردفان”،وصولاً إلى تشاد وبلدانٍ إفريقيّة أخرى، فقد جمع ثروة طائلة من التجارة،ليشكّل ميليشيا تحمي القوافل من قُطّاع الطرق، قبل أن تحدث انتفاضة دارفوروتتغيّر مهمّة الميليشيا التي اتُّهمت بالتعامل الوحشي مع الانتفاضة التي أدّت إلى مقتل 300000 شخص، وتشريد نحو 3000000 آخرين، مع تحويل مئات، وربّما آلاف الأطفالإلى عبيدٍ لدى قادة الجنجويد.

ما من خطّةٍ للإنقاذ

كان واضحاً ألّا “كيمياء” بين الرجلَيْن اللّذَيْن كانا يتبادلان الشكوك والهواجس. البرهان بالملامح الكلاسيكيّة التي تفتقد الكاريزما (الخشونة مع الهدوء). أي لا شيء يوحي بـ”شخصيّة ناريّة”.

أمّا “حميدتي” فعيناه تبرقان باتّجاه الأعلى. متى يزيح البرهان عن رئاسة المجلس السياديّ؟ لا بدّ للساعة أن تدقّ ذات يوم، وقد دأب على إخضاع قوّات الدعم السريع، وهي وريثة الميليشيا لدوراتِ تدريبٍ على العمليّات الخاطفة. 

الاثنان، ومهما ادّعَيا الالتزام بنقل السلطة إلى القوى المدنيّة، كانا يتحيّنان الفُرص لقمْعِ المُتظاهرين أو احتوائهم؛ مع اللّعب داخل الأحزاب، والهيئات المدنيّة، بغرضِ التشتيت والبعْثرة. 

في لحظةٍ ما، بلغَ الخلافُ بين الرجلَيْن الذروة، بعدما بدأ دقلو يستشعر أنّ ثمّة شيئاً ما يُعدّ له في الخفاء. هكذا وضعَ خارطة الطريق، بدءاً من مطار مروي الدوليّ، إضافة إلى القصر الجمهوري، وقيادة القوّات المسلّحة، مع التحفُّز للانقضاض على مطار الخرطوم. أين كانت الاستخبارات العسكريّة طوال هذا الوقت؟ في رب الخاسر – خاسر، منْ يكسر عظامَ منْ؟ الخبراء العسكريّون لاحظوا أنّ المواجهة تجري بين جيشَيْن، كلٌّ منهما له تركيبته الخاصّة، وطريقة تفكيره العملاني. للوهلة الأولى، وحتّى للوهلة الثانية، يبدو أنّ الصراع الدموي سيطول، إذ كيف للوساطات الخارجيّة التوفيق بين رجلَيْن يعتقد كلٌّ منهما أنّه يخوض حربَ صراع البقاء؟ هذه الحال، ما هو رأي الشعب السوداني، الضحيّة الأبديّة لصراع الجنرالات؟ أحدهم عاد إلى الأسطورة التركيّة التي تتحدّث عن ذئبَيْن يأكل كلٌّ منهما الآخر. لا بأس أن تخرج الديمقراطيّة التي يسعى إليها الحراك المدني من “أنياب الذئاب” المخلّعة. 

أستاذٌ جامعي سوداني ظهر على إحدى شاشات التلفزة الأميركيّة ليقول إنّ العسكريّين، وسواء الذين يُمسكون بالسلطة الآن، أم الذين حكموا في أوقاتٍ سابقة، لم يفكّروا يوماً في كون السودانيّين كائنات بشريّة. سألَ عن “السبب الذي يجعلنا نعيش تحت خطّ الحياة، وليس تحت خطّ الفقر فقط؟”. 

ما من خطّة على الإطلاق لإنقاذ البلاد من التدهور الاقتصادي والتدهور المعيشي. الأستاذ الجامعي إيّاه أجرى نوعاً من المسح الاجتماعي في بعض المناطق ليتبيّن له أنّ الدخل الفردي لملايين الأشخاص “لا يكفي حتّى لذبابة”؛ ليُلاحِظ مدى الانهيار في القطاعات التربويّة والثقافيّة في مجتمع عُرف بالإقبال على التعلُّم، على الرّغم من الظروف القاتلة التي يعيشها. يختزل المشهد بالقول “لقد جرّونا بالدبّابات الى العصر الحجري”. 

البرهان ودقلو راهَنَا على أنّ التطبيع مع إسرائيل لا بدّ أن يَفتح أبواب المساعدات، كذلك أبواب الاستثمارات على مصراعَيْها. في الفترة الأخيرة كان وزير الاقتصاد جبريل إبراهيم الذي كان من أشدّ المتحمّسين للتطبيع، يشكو لجهاتٍ خليجيّة من “أنّنا، حتّى اللّحظة، لم نحصل سوى على الفتات”.

دَور الموساد … ؟

منذ أيّام ديفيد بن غوريون وغولدا مئير، تركّزت عيون الإسرائيليّين على السودان كمدىً جيوسياسي لمصر. الاتّصالات بين الخرطوم وتل أبيب تعود الى الخمسينيّات من القرن الماضي، لكنّها كانت تخضع لمسار التقلّبات السياسيّة في السودان. 

ولكن كان لافتاً أن يتردّد لدى أوساط ديبلوماسيّة غربيّة أنّ الموساد اضْطلع بدَورٍ حيوي في تنظيم انقلاب 25 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021، مع ملاحظة مدى الاهتمام الإسرائيلي بالتطوّرات الرّاهنة على الأرض، ومدى تأثير حكومة نتنياهو على طرفَيْ الصراع، وإلى الحدّ الذي يحمل، حتّى المراقبين الأوروبيّين على التساؤل عن “طبيعة الصفقة الأمنيّة، أو الاستراتيجيّة، بين القيادة الإسرائيليّة والقيادة السودانيّة”! 

حيال أيّ حدث في دول العالَم الثالث يقفز السؤال التقليدي: أين هي الأيدي الغليظة في ما يحدث في السودان الآن؟ الروس الذي يبذلون قصارى جهدهم لإقامة قاعدة بحريّة على ضفاف البحر الأحمر. الأميركيّون الذين يرون في السودان حلقة أساسيّة في سلسلة الحلقات اللّازمة لمُواجَهة الروس والصينيّين في إفريقيا. 

المشهد الدوليّ في ذروة الضبابيّة، كما في ذروة الحساسيّة، حين يكون الصراع حول النظام الدولي البديل. في هذه الحال كيف تطأ الفيلة خلال صراعها الحيوانات الصغيرة؟

ألا يُلاحظ الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري أنّ العالَم كلّه في أزمة وجوديّة لا نظير لها عبر التاريخ، مضيفاً أنّ “استراتيجيّة وحيد القرن أنهكت الحضارة اليهو – مسيحيّة” التي راهنَ عليها صمويل هانتنغتون في نظريّته حول “صدام الحضارات”. في كلّ الأحوال، الدول الأخرى، ولا سيّما التي تعاني من الهشاشة السوسيولوجيّة والهشاشة الاقتصاديّة، وحتّى الهشاشة الإثنيّة أو الدينيّة، غالباً ما تكون ضحيّة الصراعات التي كثيراً ما تنتهي بتمزيق الخرائط، أو بإعادة صياغتها. مثقّفون سودانيّون يحذّرون: ثمّة ولايات باتت جاهزة كليّاً للانفصال، ولاسيّما “دارفور” و”كردفان”. “حميدتي” أخذ كلّ الاحتياطات، إذا ما خسر الحرب، لقيادة تلك الولايات. من هنا السؤال الدرامي الذي قد تجيب عنه التطوّرات (أو النهايات): لمصلحة الولايات المتّحدة أم لمصلحة روسيا والصين ما يحدث في السودان؟ الاتّحاد الأوروبي أعلن خشيته من توجّه الاتّحاد الروسي إلى إقامة قاعدة لأسطوله على البحر الأحمر.

في شباط/ فبراير 2023، فُرضت عقوبات على شركة “ميروي للذهب”، باعتبارها فرعاً لمجموعة فاغنر التي تخطّط للاستيلاء على مناجم الذهب في السودان. 

بالطبع العقوبات ليست، في أيّ حال، لمصلحة السودانيّين. الثروات هي لمَن استَنزفوا ويَستنزفون ثروات القارّة منذ قرون.

الحقّ في الحياة 

“الأباطرة، كأدعياء للخلاص، يستسيغون الوقوف فوق الحطام”. هذه نظريّة الألماني غونتر غراس. الأميركي ألكسي دي وال، صاحب كتاب “الديمقراطيّة الناقصة في السودان“، رأى أنّ ما يحدث الآن يفتح الباب على مصراعَيْه أمام الحرب الأهليّة.

أمّا “المجلس الأوروبي” الذي يُعتبر من أهمّ المعاهد المختصّة في السياسة الخارجيّة، فيَعتبر أنّ خروج أحد الطرفَيْن منتصراً، أو النجاح شبه المستحيل في عقد تسويةٍ بينهما،”لا بدّ أن يدفن الديمقراطيّة هناك إلى الأبد”.

لا أحد كان يتصوّر أنّ الأيدي الغليظة يُمكن أن تختار السودان أرضاً للانفجار. عودة إلى الطيّب صالح الذي قال “أريد أن آخذ حقّي، عنوة، من الحياة”. هذه صرخة السودانيّين الذين يُراهن بعضهم على أن يسقط الماريشال والجنرال معاً، ليقوم الحكم المدنيّ في البلاد، ولكن مَن يدري أمام أيّ سودان سنكون؟ 

الرّهان يعكس رؤية طوباويّة للاحتمالات. الكبار.. الكبار وحدهم في هذا العالَم، هُم مَن يضعون “النهايات”. ولكن مَن يستطيع أن يتكهّن لمَن ستكون الغلبة.. هل هي حرب المائة عام أم سلام المائة عام في السودان؟ 

ما علينا إلّا أن ننتظر ظهور “كنداكة”، المرأة بالثوب الأبيض، وهي تتقدّم الجموع في الخرطوم، وتصرخ: “نريد أن نأخذ حقّنا، عنوة، من الحياة”!!

*كاتب ومحلّل ساسي من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*