في جدليّة المدينة والثقافة

أفقد. رفيف رضا صيداوي*

المكان عموماً لا يقوم إلّا بناسه، فهُم الذين يبثّون فيه عبقهم وعطرهم وأحاسيسهم وخلجات قلوبهم وقصصهم وذكرياتهم وكلّ ما يتّصل بأبعادهم الإنسانيّة والوجوديّة؛ والمدينة في هذا الإطار ليست مجرّد مكان لأنّها وقبل أيّ شيء آخر شاهدة على روح الإنسان فيها في الماضي البعيد كما في نظيره القريب، بقدر ما هي شاهدة أيضاً على حاضره ورؤاه وأحلامه نحو المُستقبل. وإذا كانت المدينة هي الإطار الذي تتجسّد فيه ثقافة شعب أو أمّة، فإنّ معنى المدينة لا يستوي من دون العناصر الثقافيّة التي أسبغت عليها هذا المعنى أو ذاك

كلّ مُدن العالَم، سواء التاريخيّة والتراثيّة منها أم الحديثة، اكتسبت معناها من المُنجزات الثقافيّة وغير الثقافيّة لأبنائها: فحتّى حين نقتفي أثر أكثر المُدن قدماً في التاريخ مثل أوروك وأور السومريّتَيْن (بلاد سومر – في العراق اليوم) خلال الألف الرّابع قبل الميلاد، أو مثل أسوان وإسنا وسمنود وأسيوط المصريّة القديمة التي لا تزال تحتفظ بأسمائها الفرعونيّة حتّى اليوم، ومُدن طيبة ومنفس وهليوبوليس (3000–2000 قبل الميلاد).. وغيرها الكثير من المراكز الحضاريّة العظمى في العالَم أجمع، نكون في صدد التقصّي، من خلال الآثار الملموسة كالقطع الأثريّة والمباني وغيرها، عن أحوال ناسها سواء في تعاملهم مع بيئاتهم وجيرانهم أم في كيفيّة اجتراحهم سُبل عيشهم وتجاوزهم مآزقهم الإنسانيّة. فهذه المُدن اكتسبت معناها من كلّ المخلّفات الرمزيّة للبشر الذين عاشوا فيها، ولاسيّما الفنون التي جسّدتها رسوم الكهوف الجوفيّة والأساطير والقصائد الملحميّة وغيرها من العناصر الثقافيّة والفنيّة العاكسة لكيفيّة تمثّلهم للحياة والكون. فالأسطورة مثلاً، عدا كونها وسيلة للبناء الاجتماعي في تلك الحضارة أو تلك، تُقدِّم، على حدّ تعبير كارين أرمسترونغ في كتابها تاريخ الأسطورة، معلومات لبيئتها تكون بمثابة “دليلٍ للسلوك”، وهي بالتالي تُرشدنا حتّى اليوم إلى الكيفيّة التي تعامَل فيها البشر مع أزماتهم الباطنيّة والكيفيّة التي تصوّروا من خلالها عالَمهم النموذجي والمثالي. فقد استعمل إنسان الهوموسابيان Homo Sapiens بحسب كارين أرمسترونغ “اللّوغوس ليطوِّر أسلحة جديدة، واستعمل الأسطورة، بطقوسها المُرافقة لها، ليواسي ويعزّي نفسه بحقائق الحياة المأسويّة التي تُهدِّد بسحقه وحرمانه من التصرُّف بفعاليّة”؛ ثمّ ألَم تحكي الأساطير الإغريقيّة القديمة كيف سرق بروميثيوس النار من الآلهة من أجل البشريّة، وكيف أُرغم إينياس في أسطورة طروادة على ترْكِ حياته القديمة ورؤية بلاده وهي تشتعل بعدما دمّرها اليونانيّون قبل أن ينحدر إلى العالَم الأرضي ويجد مدينة روما الجديدة، ليؤسِّس طروادة الجديدة؟

المدينة كفاعل ثقافيّ

المدينة هي النواة الأساسيّة للتاريخ والحضارة والثقافة، لكونها تنهض بوظائف متعدّدة: حربيّة وسياسيّة وثقافيّة ودينيّة…إلخ؛ “ففي العواصم تستقرّ الأنظمة السياسيّة بمؤسّساتها ووزاراتها وجامعاتها ومتاحفها ومنشآتها الثقافيّة والفكريّة. وفيها تستقرّ السلطات المدنيّة والدينيّة. ولكي يبتّ الحكّام والفاتحون مآثرهم أطلقوا أسماءهم بخاصّة على المُدن والحواضر كالإسكندريّة والناصريّة والإسماعيليّة وبور سعيد… كما أطلقوها طبعاً على الشوارع والمصانع والمنشآت والمشاريع. ولكي يخلّدوا أسماءهم في “التاريخ” نشروا صورهم وتماثيلهم في كلّ مكان، فحوّلوا بلدانهم إلى طواطم تلهج باسمهم” (جمال شحيّد، “تقاطع الزمان والمكان في رواية المدينة”، من كتاب الرواية والمدينة، القاهرة، ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي 2003، المجلس الأعلى للثقافة، 2008).

لكنّ نصيب المُدن المختلفة يختلف “من تعدّد الوظائف، فبعضها يجمع وظيفتَيْن أو أكثر، وبعضها يضمّ كلّ الوظائف أو يكاد”، كما أنّ “الوظائف يدعو بعضها البعض، فتدعم بعضها، وتتكامل، هكذا تتقاطر الوظائف أوتوماتيكيّاً، وفي ميكانيكيّة تشبه كرة الثلج” (جمال حمدان – جغرافية المُدن).

بهذا المعنى خُلِّدت مُدن عربيّة كثيرة في الذاكرة الجمعيّة العربيّة والإسلاميّة. فكانت بغداد عاصمة عالَميّة عَرفت حراكاً ثقافيّاً متميّزاً منذ العصر العبّاسي، يشهد على ذلك تأسيس أوّل دار كُتب عامّة فيها هو “بيت الحكمة” أيّام الخليفة هارون الرشيد؛ وكانت القيروان حاضنة الثقافة العربيّة الإسلاميّة واشتهرت بدورها بالمكتبات العامّة والتي كان من أشهرها “بيت الحكمة” الذي أنشأه إبراهيم الثاني الأغلبي 261-289 هـ / 875-902 م. مُحاكاةً لبيت الحكمة الذي أسسّه هارون الرشيد في بغداد، فضلاً عن كونها نقطة ارتكاز لعلوم الفقه واللّغة والأدب والشعر والتاريخ… وعلى هذا المنوال احتلّت مدنٌ عربيّة أخرى مثل القاهرة وبيروت وغيرها مكانتها في الذاكرة الجمعيّة كعواصم حضاريّة ثقافيّة راحت تتوسّع في زمنٍ مدينيّ ميَّزَ نسيجها الاجتماعي ودَمَغَهُ بطابعه، بقدر ما ميَّز تاريخيّاً هذه المدينة أو تلك على المستوى الثقافي، بالمعنى الواسع للكلمة، أي بما يشمل فنونها وعمارتها ومختلف منجزاتها الحضاريّة، بحيث إذا ما تجوّلنا في شوارعها وأسواقها ومرافئها، وزرنا معابدها وقصورها وحدائقها نكون كمن يجول بين ناس ذلك الزمن أو ذاك، نقرأ أفكارهم وتاريخهم ونَستلهم تجاربهم، لعلّنا نستقي منها ما يفيد حاضرنا ومستقبلنا. فالمدينة، أيّ مدينة، بحسب الروائي إيتالو كالفينو في كِتابه “مُدن لامرئيّة” “لا تُفارق الذهن، هي مثل درع أو مثل قرص العسل، يقدر أيّ منّا أن يضع في خلاياه الأشياء التي يريد تذكّرها: أسماء الرجال المشهورين، الفضائل، الأرقام، أصناف الخضراوات والمعادن، تواريخ المعارك…”. تمتلئ ذاكرتنا الجمعيّة بهذا الماضي الحاضر أو الحاضر الماضي لأنّ المُدن تحفر علاماتها التي لا نتوقّف عن تعقّب آثارها وملء فراغاتها، ولاسيّما أنّ المدينة – بحسب كالفينو، “لا تكشف عن ماضيها، إنّما هي تحمله كخطوط الكفّ مكتوباً في زوايا الشوارع، في أسلاك النوافذ، درابزينات السلالم والهوائيّات ذات القضبان المُتشعّبة، وصواري الأعلام…”.

لذا ترانا نحتفي اليوم بمُبادرة لليونسكو في تطبيق فكرة عاصمة الثقافة العربيّة التي انطلقت سنة 1996 على غرار عاصمة الثقافة الأوروبيّة، التي تتزامن مع تعقيدات مُجتمع المدينة وصراعاته المُختلفة والمتنوّعة، وذلك استناداً إلى أهميّة الثقافة في حياة المُجتمعات وفي التنمية الشاملة؛ إذ إنّ تنشيط المُبادرات الخلّاقة وتنمية الرصيد الثقافي والمخزون الفكري والحضاري لمُدننا، عبر إبراز قيمتها الحضاريّة من شأنه دعْم الإبداع الفكري والثقافي تعميقاً للحوار الثقافي والانفتاح على ثقافات الشعوب وحضاراتها وتعزيز القيَم، والتفاهم والتآخي، والتسامح واحترام الخصوصيّة الثقافيّة والتراث. لكنّ السؤال الإشكالي الذي يطرحه كثيرون، وهو سؤال صائب من دون شكّ، هو حول ما إذا كانت المدينة نِتاجَ الذاكرة وحدها، لكونه سؤالاً تتفرّع منه أسئلة إشكاليّة أخرى مثل السؤال عمّا إذا كانت نِتاج كلّ ما بقيَ من عَظَمَةِ الحضارات التي مرَّت في المُدن ومَكانتها؟ وما إذا كانت تستمرّ في الحياة بالاستناد إلى مجدها الغابر؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي تفترض، كما شرح ذلك الباحث والفنّان التشكيلي طلال معلّا، أن تضعَ هذه المُدنُ استراتيجيّاتٍ وسياساتٍ تستطيع من خلالها استيعاب العبور الزمنيّ بين الماضي والحاضر والمُستقبل، وأن تَضَعَ الثقافةُ في هذه المُدن أُسُساً لمُواجَهةِ مُختلف التحدّيات التي تعيشها، ومنها الجوانب المُتعلّقة بالتجديد العمرانيّ، وما يجب تحقيقه في قلب المُدن الحيويّة، والتأثير على البنى السكّانيّة والجماعات، وسُبل التمويل الثقافيّ والرعاية والاحتضان والدَّعْم…إلخ؛ أي باختصار كلّ ما يُساعد على تنمية الإدارة الثقافيّة للمدينة، وتعزيز جاذبيّتها، ودمْج الأفراد في المُجتمع المحلّيّ تعزيزاً للتماسُك المُجتمعيّ وتحسين صورة المدينة في عيون سكّانها (طلال معلّا، “المَفهوم والواقِع والتقاط روح المدينة”، في المُدن العربيّة بين العراقة والاستدامة، مؤسّسة الفكر العربي).

لقد اختيرت القيروان في العام 2009 عاصمةً للثقافة الإسلاميّة، وتحت عنوان “القيروان الخالدة”، ركّزت العروض الفنيّة والثقافيّة على استعادة أمجادها بوصفها أعرق المُدن الإسلاميّة، ومن أكثرها إثراءً للحضارة الإنسانيّة. لكنّنا في الوقت عَينه حين نقرأ ما كَتبه أحد أبنائها اليوم ندرك أنّ المدينة تعرف الارتحالات وحدها، ولا تعرف الرجوع، على حدّ تعبير كالفينو. يكتب حسّونة المصباحي قائلاً: “زائرُ القيروان الآن، حتّى ولو كان عاشِقاً لها مثلي أنا، يشعر وهو يتجوّل في شوارعها وأزقّتها وأسواقها، أنّ التاريخ مُعطَّلٌ فيها منذ غزوة بني هلال، وأنّ الأساطير لم تعُد صالِحة لمُعالَجة الجراح النّازِفة، مثلما كان حالُها في الماضي. كما أنّ تلك الأساطير لم تَعُد قادِرةً على إخفاء الصور المُرعِبة والموحِشة لواقعٍ مَريرٍ يوحي بأنّه قد يَظلّ جاثماً على القيروان لأمدٍ طويل” (“مَراكِش والقَيروان بين ائتلاف الواقعيّ بالخياليّ.. وجِراح التاريخيّ”، المُدن العربيّة بين العراقة والاستدامة، مؤسّسة الفكر العربي).

يقودنا ما سبق إلى القول إنّ تطوّر المُدن وخلودها في التاريخ ينهض من اجتماع ناسها وتضامنهم وتعاونهم من أجل ديمومة عيشهم: “البناء واختطاط المنازل إنّما هو من مَنازع الحضارة التي يدعو إليها الترف والدّعة كما قدّمناه وذلك متأخّر عن البداوة ومنازعها وأيضاً فالمُدن والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير وهي موضوعة للعموم لا للخصوص فتحتاج إلى اجتماع الأيدي وكثرة التعاون” (ابن خلدون). 

وهذا التعاون المكرَّس لمصلحة الجماعة ولجعْل المدينة مدينة الصالح العامّ، هو الذي ينبغي أن يكون في أساس التنمية المُستدامة ومنطقها؛ فهل إنّ مُدننا العربيّة بحسب ما سأل طلال معلّا تحتضن رؤيةً واضحةً نحو المُستقبل؟ وهل تُعزِّز أساساً الحاجةَ إلى الثقافة وتُشجِّع عليها؟ وهل إنّ مَطلب الثقافة لديها، أو لدى صنّاعِ القرار فيها، أو لدى مُثقّفيها ونُخبِها المُتعلِّمة وشرائحها الاجتماعيّة كافّة، هو مَطلَبٌ مُلِحٌّ حقّاً؟

ربّما كان الجواب مرّة أخرى عند كالفينو في أنّ المُدن “يُعتقد بأنّها من عمل العقل أو الصدفة. ولكنْ لا هذا ولا تلك كافيان لإقامة جدرانها، إنّ فرحتك لا تكمن في عجائب المدينة السبع أو السبعين ولكنْ في جوابها عن سؤالك”؛ أي سؤال الإنسان في هذه المدينة برغباته ومخاوفه، بواقعه وأحلامه، بماضيه وحاضره ومُستقبله… واختصاراً بسؤاله ككائنٍ متعدّد الأبعاد في مدينة متعدّدة الأبعاد أيضاً. 

مؤسّسة الفكر العربي

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


14 − 5 =