الكورونا اللّغويّة في الوطن العربيّ

تتشابه الأشياء كثيراً في ظواهر الكوكب الأرضيّ على الرّغم من الاختلاف الظاهر الواسع بينها. فظاهريّاً يُستبعد للغاية لدى معظم الناس تخيُّل مثلاً وجود علاقة تشابُه بين عدوى مرض الكورونا وعدوى ما يُمكن تسميته “عدوى الاغتراب اللّغوي” بين الناس. فحضور التشابُه بين الظواهر البعيدة والغريبة عن بعضها البعض على وجه الأرض يَطرح تساؤلات معرفيّة/ إيبستيمولوجيّة ذات أهميّة قصوى بالنسبة إلى الرؤى المعرفيّة في دنيا الفكر والعِلم اللّذَين يسعيان إلى فهْم الأشياء والظواهر المتعدّدة التي يحتضنها عالَم الأرض وتفسيرها.

يتمثّل أحد أخطار وباء الكورونا في كونه مُعدياً وسريع الانتشار بين أفراد المُجتمعات كافّة، ما جعل انتقاله من الصين إلى بقيّة أرجاء القارّات الخمس سريعاً جدّاً. ومنه، نجحت بامتياز عمليّة عَولمة مرض وباء الكورونا مُحدِثةً أضراراً أكثر في الإصابات والوفيّات في المُجتمعات المتقدّمة منها في نظيراتها النامية. فمن جهة، يمثّل هذا الفرْق تحدّياً صارخاً لبوصلة العِلم الحديث في المُجتمعات المتقدّمة، وفقدان حُسن التدبير الذي يَقي من تفشّي وباء مرض الكورونا كما وقع في البلدان الأوروبيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة وكندا، من جهة ثانية.

تتنوَّع مَعالِم ظاهرة عدوى الاغتراب اللّغوي في مُجتمعات الوطن العربي. فهناك عموماً فَرق كبير في هذا المجال بين أقطار المغرب العربي والمشرق العربي. لكنّ تلك المُجتمعات تتشابه كثيراً في عدوى الاغتراب اللّغوي المتمثّل مثلاً في تدريس العلوم باللّغات الأجنبيّة (الإنكليزيّة والفرنسيّة) عوضاً عن اللّغة العربيّة في معظم الجامعات والمَعاهد العليا العربيّة. تمثّل عدوى هذا الاغتراب اللّغوي ظاهرة عجيبة في المنطقة، إذ تدرس دولة الاحتلال إسرائيل وإيران وتركيا العلوم بلغاتها الوطنيّة في جامعاتها ومَعاهدها. وبعبارة أخرى، يجوز القول إنّ انتشار ذلك الاغتراب اللّغوي في المؤسّسات العربيّة للدراسات العليا يمثِّل نوعاً من العدوى التي تفشّت في أغلب البلدان العربيّة المُعاصرة بحيث أصبحت المُحافظة على تلك العدوى – وليس الشفاء منها- السياسة الرسميّة المحبَّذة لدى المسؤولين بتلك الجامعات والمَعاهد وعند النّخب السياسيّة والثقافيّة أيضاً. لكنّ ظاهرة عدوى الاغتراب اللّغوي لا تقتصر على عدم استعمال اللّغة العربيّة/ الوطنيّة في تدريس العلوم في معظم الجامعات والمَعاهد العربيّة، بل يتفشّى الاغتراب اللّغوي إلى الحياة العامّة في تلك الأقطار العربيّة في كلٍّ من سلوك الكتابة وخطاب الحديث بين عامّة الناس وليس بين نُخب العُلماء والمثقّفين والسياسيّين فقط. 

الاغتراب اللّغوي في المُجتمع التونسيّ 

يكفي ضرب مثال المُجتمع التونسي كحالة وافية لظاهرة انتشار عدوى الاغتراب اللّغوي أفقيّاً وعموديّاً اليوم. تنتشر في هذا المُجتمع عدوى الاغتراب اللّغوي أكثر من انتشار عدوى مرض الكورونا. وهي ظاهرة لا يكاد يفكّر فيها أحد. فالأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى، فأغلبيّة التونسيّات والتونسيّين لا يكتبون صكوكهم/ شيكاتهم البنكيّة ورسائلهم الهاتفيّة بالحروف العربيّة ولا ينطقون أيضاً أرقام الهواتف باللّغة الوطنيّة/ العربيّة نتيجة لما نسمّيه تفشّي عدوى ضعف التعريب النفسي لدى معظمهم. إنّ الباحث في المسألة اللّغويّة في المُجتمع التونسي الحديث يجد فيه حالة ضُعف التعريب النفسي لدى معظم التونسيّات والتونسيّين. يعني مصطلح ضعف التعريب النفسي عندنا التالي: لا تحتلّ اللّغة العربيّة (اللّغة الوطنيّة) عند أغلبيّة واسعة في المُجتمع التونسي، نفسيّاً وعفويّاً، المرتبة الأولى في نفوس وقلوب وعقول واستعمالات معظم هؤلاء، وبخاصّة المثقّفات والمثقّفين والمتعلّمات والمُتعلّمين منهم. فمن منظور علم النَّفس الاجتماعي يمكن القول إنّه يوجد قبل الثورة وبعدها موقف نفسي جماعي مُعدياً لدى جلّ التونسيّات والتونسيّين لا يسمح لهم بتطبيع علاقتهم مع لغة دستورهم. ويعني التطبيع هنا أن تُصبح العلاقة بين التونسيّات والتونسيّين واللّغة العربيّة من نوع العلاقة العضويّة التي تربط عادةً بين المُجتمعات ولغاتها الوطنيّة والمتمثّلة في استعمال اللّغة الوطنيّة وحدها في كلّ قطاعات المُجتمع والشعور نفسيّاً بالاعتزاز الكامل باستعمالها والدفاع عنها.

بنود أبجديّة العلاقات مع اللّغات 

تقول هذه الأبجديّة إنّ العلاقة الطبيعيّة بين الناس ولغاتهم تتمثّل في مُمارَسة أربعة بنود لميثاق اللّغات: 1- استعمالهم لها وحدها بينهم في الحديث في كلّ شؤون حياتهم الشخصيّة والجماعيّة و2- استعمالهم لها فقط بينهم في الكتابة. 3- المعرفة الوافية باللّغة والمتمثّلة في معرفة معاني مفرداتها والإلمام بقواعدها النحويّة والصرفيّة والإملائيّة وغيرها.4 – تنشأ عن هذه العلاقة السليمة التفاعليّة مع اللّغة في 1و2و3 ما نسمّيها “العلاقة الحميمة” مع تلك اللّغة والتي تتجلّى في المواصفات النفسيّة والسلوكيّة التالية: حبٌّ للّغة والغيرة عليها والدفاع عنها والاعتزاز بها قبل حضور عدوى تلك المواصفات لأيّ لغة أو لغات أخرى يُمكن أن يتعلّمها الأفراد في مُجتمعاتهم.

أبجديّة فهْم العلاقة الحميمة مع اللّغات 

يُساعد منظور عِلم اجتماع المعرفة على فهْم العلاقة الحميمة التي تربط الناس باللّغات إنْ هُم استعملوها هي فقط بالكامل شفويّاً وكتابة (1+2) في كلّ شؤون حياتهم الفرديّة والجماعيّة منذ الطفولة وعرفوا مفرداتها وقواعدها النحويّة والصرفيّة وغيرها (3). يجوز القول بكلّ بساطة إنّ تلك العلاقة الحميمة (4) مع لغات الأمّ أو اللّغات الوطنيّة هي نتيجة عمليّة التفاعُل/ الاستعمال المكثّف معها ولها الذي يُنتظر أن يُنشئ مثل تلك العلاقة النفسيّة القويّة التي تخلق علاقة وثيقة ومتينة، أي حميمة مع اللّغة. وبعبارة عِلم الاجتماع، فمثل ذلك التفاعُل يؤدّي إلى ما يسمّيه هذا العِلم بالعلاقة الأوّليّة مع اللّغة. وهي علاقة نَدِّيّة بالعواطف والشعور والتحمّس لمصلحة اللّغة. كل ذلك هو حصيلة تنشئة لغويّة اجتماعيّة طبيعيّة منذ الصغر تقتصر على استعمال اللّغة الأمّ أو الوطنيّة، ما يمنع تسرُّب عدوى الاغتراب اللّغوي. يُمكن صياغة مقولتنا بخصوص العلاقة مع اللّغات في مُعادلتَين شبه حسابيّتَين: 1- الالتزام الكامل بالبنود الأربعة (1+2+3+4) = علاقة سليمة مع اللّغات رافضة لعدوى الاغتراب اللّغوي و2- الالتزام الجزئي أو عدم الالتزام الكامل بالبنود الأربعة (1+2+3+4) = علاقة غير سليمة مرحبة كثيراً أو قليلاً أو ما بينهما بعدوى الاغتراب اللّغوي.

وباء الاغتراب اللّغوي في المؤسّسات 

تنتشر عدوى الاغتراب اللّغوي أيضاً في المؤسّسات الوطنيّة التونسيّة. فالبلديّات لا تُطبِّق في الغالب قوانين السياسات اللّغويّة المُنادية بكتابة اللّافتات باللّغة العربيّة أوّلاً، وبحروف كبيرة فوق اللّغة الفرنسيّة أو الإنكليزيّة، إنْ لزم الأمر. فليتجوّل المرء في القرى والمُدن التونسيّة ولينْظر إلى اللّافتات في الشوارع وداخل المَراكز التجاريّة مثل أزير سيتي. فكيف انتشرت هذه العدوى ويستمرّ احتضانها من طرف الكبير والصغير والمرأة قبل الرجل؟ ذلك هو السؤال الذي لا يكاد يطرحه معظم هؤلاء. ربّما يُشفى المُجتمع التونسي وغيره من المُجتمعات العربيّة من وباء عدوى مرض الكورونا قريباً أو في المُستقبل المنظور أو البعيد. أمّا الأمر المؤكَّد بهذا الصدد، فإنّ عدوى انتشار الاغتراب اللّغوي في هذه المُجتمعات لن يقضي عليها في المُستقبل القريب بسبب غياب حملات التوعية وسياسات الحجْر وفقدان المَناعة اللّغويّة لدى القمّة والقاعدة ومن بينهما في هذه المُجتمعات. لقد أكّد المفكّرون في الغرب والشرق أن حرْص حماية الشعوب للغاتها يضمن لها بقوّة مناعة أقوى لحدودها ولهويّتها وشخصيّتها من حماية الجبال والغابات والأنهار والبحار لجميع تلك المعالِم الرئيسيّة الحاسمة لوجودٍ سليم آمن وناهض للمُجتمعات البشريّة.

الانبهار وسرعة تفشّي الكورونا اللّغويّة 

إنّ تحليل العلوم الاجتماعيّة لظاهرة كورونا الاغتراب اللّغوي في المُجتمعات العربيّة وغيابها في المُجتمعات المُجاورة كإيران ودولة الاحتلال إسرائيل وتركيا يشير في المقام الأوّل إلى الانبهار الكبير الأعمى الذي يحتضنه العرب نحو الغرب وحداثته وفي طليعتهم النّخب السياسيّة والثقافيّة العربيّة منذ القرن التاسع عشر. فمعظم تلك النّخب درست في الغرب أو تعلَّمت في بلدانها الكثير من فِكر الغرب ولغاته، ولاسيّما الإنكليزيّة والفرنسيّة. فحصل عند الكثيرين اغترابٌ شديد عن الفكر العربي والإسلامي وعن اللّغة العربيّة اللّغة الوطنيّة الأولى في المُجتمعات العربيّة. والسؤال المشروع والواجب طرحه لمحاولة فهم ظاهرة كورونا الاغتراب اللّغوي في أغلبيّة المُجتمعات العربيّة المُعاصرة هو: لماذا ينفرد العرب ليس بين جيرانهم فقط بكورونا الاغتراب اللّغوي بل أيضاً بين الكثير من المُجتمعات المُعاصِرة في الشرق والغرب؟ وبعبارة أخرى، لماذا يشكو معظم العرب ممّا أسمّيه فقدان التعريب النفسي؟

قصور معاني التعريب في المغرب العربيّ 

تمثّل المُجتمعات المغاربيّة (الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا) مثالاً لغياب مفهوم التعريب النفسي. فمُصطلح التعريب بعد الاستقلال في تلك المُجتمعات يعني استعمال اللّغة العربيّة في الحديث والكتابة بدل اللّغة الفرنسيّة في الإدارات والمَدارس ومَعاهد التعليم العالي والجامعات وغيرها من القطاعات. لكنّ عمليّة التعريب الكاملة في البلدان المغاربيّة هي أكثر من مجرّد تحقيق الجانبَين الشفوي والكتابي في عمليّة التعريب. يتمثّل الجانب الآخر أو الثالث والأهمّ بالنسبة إلى نجاح مسألة التعريب في خلْق علاقة نفسيّة طبيعيّة حميمة تربط المُواطنين ومؤسّسات المُجتمعات المغاربيّة باللّغة العربيّة/ الوطنيّة. إنّ الدارس لهذه العلاقة بعد عقودٍ من استقلال هذه المُجتمعات يجد أنّ اللغة العربيّة تحظى بمكانة ضعيفة نفسيّاً واستعمالاً عند أغلبيّة مواطنيها. يدلّ وجود مثل تلك العلاقة الضعيفة على أنّ عمليّة التعريب ينقصها أهمّ عنصر، وهو التعريب النفسي الذي يتحقّق الظفر به عندما يلبّي معظم المُواطنين البنود الأربعة للعلاقة السليمة مع اللّغة العربيّة المتمثّلة في المُعادلة السابقة الذكر: الالتزام الكامل بالبنود الأربعة (1+2+3+4). يبيّن التحليل أنّ الشفاء من عدوى كورونا الاغتراب اللّغوي العربي يتمّ بمُمارَسةٍ كاملة لتلك البنود في المُجتمعات العربيّة في المغرب والمشرق.

أفق – د. محمود الذوّادي / عالِم اجتماع تونسي

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 26 = 32