“البيليكي” و”الديبشخي” وقاموس العدالة والتنمية

بقلم – عبد الله أطويل

يكاد كل متأمل، سواء كان من لفيف الراسخين في علم التأمل أم غير ذلك، أن يدرك بيسر كبير مدى الرداءة والتنطع المنقطع النظير. ولغة الحلقة، ثم كيف اجتمعت بالأراجيف والتراهات وسفسطة القول لتبدو بجلاء أنها أضحت أشهر من نار على علم، وهي تشد رحالها من الشارع والحلقة، لتقتحم مفرداتها جدران المؤسسة البرلمانية من أرحب أبوابها، منذ رمت الرياح بحزب العدالة والتنمية من المعارضة إلى الحكم.
فإذا كان التاريخ يسجل ويحتفظ بالمنجزات والاخفاقات، فإنه يذكرنا شاهدا، وفي الآن نفسه مسجلاً السبق لرئيس الحكومة السابق وزعيم “طائفة المصباح”، لمَّا كان يبرع في تحويل النقاشات السياسية محرفا إياها نحو الخطابات السخيفة، وتطويع الكلام وترويضه بشعبوية وأسلوب الحلقة، كوسيلة ناجعة للتهرب والتملص من مناقشة الأفكار والتصورات. هذا التاريخ نفسه سجل للعدالة والتنمية السبق التاريخي، في تنزيل الخطابات السياسية إلى درجات من الحضيض، ولعل جلسات البرلمان وما تداول فيها من مفردات، تنم عن الوسط الذي اغْتُرِفت منه.

قد نطرح تساؤلا، ممكن أن يراه البعض من زاوية استفهامية، وربما أدركه آخر من ركنية استنكارية، فهذه اللغة التي جاؤونا بها أهل طائفة العدالة والتنمية. هل هو ذهاء وذكاء يُمدحون به؟ أم مكر يُذمون به؟ بين هذا مؤيد للطرح الأول وذاك يرى في الطرح الثاني صواب مؤكد. نحن نكاد نجزم القول والمقال أن هذه اللهجة التنطعية المنحطة، باتت علامة مسجلة ومنتوج خالص بإسم العدالة والتنمية، انفردوا بميزة السبق في الإتيان بها، حيث لم يسبقهم إليها متحزب مستثمر في السياسة أو تكنقراط، ولا حتى هجين تمت صباغته لاستكمال قسمة، قد برع أشد منهم في تطويع مفرداتها وسبر أغوار قواميسها.

ندع الجمل يمر بما حمل من أسفار لمعاجم وقواميس هذه اللغة “الفرانكشية” الهجينة، ونتوقف عند آخر ما جادت به قريحة هؤلاء، في شخص عمدة فاس والنائب البرلماني عن العدالة والتنمية، سبويه زمانه، ولعل مصطلحي “بيليكي” و”الديبشخي”، كجديد جاد به من مفردات أردفهما وكررهما لأهميتهما، حين ترافع، مجتهدا في تسفيه من طالبوا بإلغاء معاشات البرلمانيين على غرار دول عدة أكثر أمنا وأمانا على المستويين الإقتصادي والإجتماعي. في خضم مرافعته البائسة ضاربا الطاولة بيده وشظايا اللعاب تتطاير من فمه. مشهد ترافعه الاستئسادي عن معاشات الريع يجعلنا نستحضر البيتين الشعريين للشاعر الأندلسي ابو بكر بن عمار ذو الوزارتين وهو يقول في ملوك الطوائف وأطلال الأندلس.
مما يزهدني في أرض أندلسٍ
ألقاب معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

بالتهديد والوعيد يرى عمدة فاس والنائب البرلماني عن العدالة والتنمية بأن شعب الفيسبوك لهم خطاب شعبوي، ويضببون العمل السياسي، متوعدا إياهم بلغة حربية انتقامية صرفة، وأنهم شردمة لا يخيفونه، كما أردف ضمن خضم قوله، بأنه سيُخرص أفواههم وسينهض إليهم ليقض مضجعهم، وهنا يمكن أن نفهم أنه يصنفهم في خانة العدو المتربص الذي يجب معاجلته. والأشد بأساً وتنكيلا هو استفهامه الاستنكاري حول ما قدموه من ثروة، فالأحق بالمساءلة هم المنتخبون والمسؤولون الجالسون على كراسي المناصب وماقدموه للبلاد نظير رواتب سمينة وتعويضات فلكية وامتيازات عينية ومعنوية، كلها تؤدى لهم من جيوب دافعي الضرائب. وإذا كان هؤلاء لم يصنعوا ثروة حسب حد تعبير معالي النائب البرلماني، فماذا قدم هو وإخوانه من الرضاعة في سبيل صناعة الثروة غير العجز والمديونية المخيفة، بل الأحق بالقول إنه مستهلك للثروة لما يراكمه من تعويضات وامتيازات. وإذا كان خطاب هؤلاء المطالبون بالغاء معاشات الريع شعبوي كما تم وصفه، فمفردات من قبيل (بيليكي) و (ديبخشي) ما محلهما من الإعراب؟.

هؤلاء بالأمس القريب كانوا يرددون خطابات محاربة الفساد، والتقسيم العادل للثروات، ويطلقون الوعود باسم الدين بتحويل المغرب إلى جنة فوق الأرض، مبشرين الناس بالمن والسلوى من بين أيديهم ومن خلفهم وعلى يمينهم وشمالهم. واليوم لا يخفى على القاصي والداني مدى انقلابهم، وما تنطوي عليه مراميهم من مساعي نحو الاغتناء من السياسة، وتسمين أرصدتهم، كما قالها كبيرهم الذي علمهم نحو هذه اللغة وإعرابها، بأنهم جاؤوا لإصلاح حالهم، وتذوق حلاوة السلطة وملذات نعيمها. فكان لهم ذلك على حساب الضعفاء والفقراء من الناس، أما ملعب الكبار فقالوا بأن خطوط تماسه تحرسها التماسيح والعفاريت. وهو نفسه بالأمس كان يذكرنا بأقوال الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، حين خاطب بطنه أن لا يذيقها من رغد الطعام حتى يشبع الجوعى من الناس، ونسي بأن عمر نفسه قال مقولة “نحن معشر المسلمون من يخدعنا بالله ننخدع له”. وعود وأكاذيب الأمس تدفعنا اليوم لاستحضار بيتين شعريين من قصيدة شهيرة للشاعر المخضرم كعب بن زهير، وهو يقول في زمن سعاد حين ولَّى.
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيده إلا الأباطيلُ
فلا يغرنك ما منَّت وما وعدَت
إن الأماني والأحلام تضليلُ.

نعلم كيف تغلفوا بزي الدين، وكيف ركبوا أمواج الربيع العربي، حتى أوصلتهم رياحه لساحل الملذات. انغمسوا في نعيم التعويضات والامتيازات والسلطة، وترجَّلو عن صهوة خطاباتهم إبان فترة المعارضة، والجلوس على الرصيف وأكل البيسارة، وعوضوها بعفى الله عما سلف، وابتلعوا ألسنتهم عن الترافع حين الخوض في مواضيع من قبيل أين الثروة والفساد السياسي، فها هم ذا يدافعون عن الريع السياسي، متشبتين بحَلَمَةِ الضرع أيما تشبث، بل حين أسقط عنهم المغاربة ورقة الثوت، وأصبحت أحاديث الفساد والريع وثروات البلاد، كتاب مبني للمعلوم بعد انكشاف عورة المبني للمجهول، وتحول الضمير المستتر الذي كان تقديره “هو” أو “هم” إلى إسم إشارة من قبيل “هذا” و”ذاك” و”هؤلاء”. ها هم اليوم يلبسون قلنسوة محامي الشيطان، وطفقوا يرغدون ويزبدون في التهديد والوعيد.

خلاصة القول، وأخذا بعين الإعتبار الحالة التي وصل إليها الاقتصاد المغربي خصوصا في ظرفية كهذه، ومعه المستوى الاجتماعي المزري، ولعل التقرير الأخير لمنذوبية التخطيط الذي أقر بتراجع وتردي مستوى الجودة لدى الأسر المغربية في العيش منذ سنة 2008. بالإضافة إلى إشارة الخطابات الملكية في أكثر من مرة لرداءة العمل السياسي. من هذا المنطلق تظل البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى في أمس الحاجة لكفاءات تعرف معنى العمل السياسي، حكماء وعقلاء أصحاب تصورات وأفكار إستراتيجية، أو إن شئت القول في حاجة لمن يمسك بالخيط حتى يصل لعش الدبابير. كل هذا لا يمكن إلا بإقبار كل أشكال الريع السياسي والفساد بكل تجلياته وتلويناته، وقطع دابر المصلين على قبلة المعاشات والمأدونيات وطفيليات الريع، كما يقول المثل العربي “ودع حبيبك وانسى هواه”، وإغلاق صنابير الامتيازات المغدقة لهم والمهلكة لميزانية الدولة، وتجفيف منابع العيون التي لا تنضب، وترشيد الرساميل الريعية قصد توجيهها لقطاعات ناهضة كالتعليم، وإصلاح القضاء وتحسين الخدمات الاجتماعية. عوض أن تظل الممارسة السياسية مجرد وسيلة للاستغناء الفاحش، واستغلال السلطة قصد تطويع القانون ليصبح الاغتناء واستغلال المواقع باسم القانون وتحت سقيفته. يقول المثل البريطاني “الغني الحقيقي هو من يساهم في توفير مناخ أقل فقرا يعيش فيه، لا من يعيش غنيا في وطن أهله فقراء وبؤساء”.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 19 = 23