آخر الأخبار :

في مفهوم العنف وأخطاره

في مفهوم العنف وأخطاره

مجلة أفق - د.عبدالله إبراهيم*

ينبغي الوقوف على مفهوم العنف، باعتباره سلوكاً شائناً، يختزن عدواناً، ويسوِّغ أصحابه الأخذ به أسلوباً في الحياة، وأداةً لتحقيق الأهداف، ووسيلةً لإخضاع الآخرين، بمَن فيهم الخصوم، لاعتقادهم أنّه الوسيلة المثلى للتعبير عن الحقّ الشخصيّ والعامّ، ورفع الظُّلم، وردع الآثمين، واسترجاع الحقوق، وإثبات الذّات، وصيانة القيَم الدينيّة والاجتماعيّة، وحماية الجماعة من الخطر، وترسيخ الأمن في المجتمع…

العنف هو "الاستخدام غير المشروع للقوّة المادّية بأساليب متعدّدة لإلحاق الأذى بالأشخاص والجماعات وتدمير المُمتلكات، ويتضمّن ذلك أساليب العقاب، والاغتصاب، والاعتداءات المختلفة، والتدخّل في حرّيات الآخرين. كما ينطوي هذا السلوك على الاستخدام غير المشروع للقوّة المادّية، لأنّ العنف في جوهره نفيٌ للأساس القائم على العقل والحكمة التي تغرس في الإنسان النزعة الإنسانيّة الرشيدة التي تحاول الوقوف أمام انتصار الغريزة غير المهذَّبة على العقل" (إبراهيم الحيدري، سوسيولوجيا العنف والإرهاب، 2015).

ولعلّ هذا التعريف يكون جامعاً لمفهوم العنف الذي ينعقد الإجماع عليه، تقريباً، بأنه التصرّف بالقوّة في غير ما ينبغي أن تتصرّف به، وبمجرّد فتح باب الاجتهاد في متى وأين وكيف ينبغي اللّجوء إلى العنف، فسوف تنهار الحدود المانِعة للعدوان، فذرائع اللّجوء للعنف جاهزة، وكثيرة، وفيها سيل لا ينضب من الحجج التي بقليل من التكييف تصبح أسباباً مقبولة لإطلاق العنف من عقاله. لم يكُن العنف مفهوماً طارئاً في العلوم الإنسانيّة، فقد ضرب بجذره في الثقافات القديمة والحديثة، ونال حظّه من الذمّ والثناء، وجرى تقييد حدوده باعتباره مُمارسة غايتها الإضرار بدعاوى الحقّ في بعض الأحيان، وبغير الحقّ في معظم الأحيان، ورآه "روبرت براون" انتهاكاً للشخصية، واعتداءً على الآخر، أو إنكاره، أو تجاهله، وهو ضربان: عنفٌ فرديّ يُؤذي الآخرين نفسيّاً، وعنفٌ مؤسّساتيّ تُنتهَك فيه هويّات الجماعات(باربرا ويتمر، الأنماط الثقافية للعنف، 2007).

العنف، والحال هذه، كلّ فعل خشن يلجأ إليه الفرد أو الجماعة أو المؤسّسة عن حقّ أو باطل، بهدف إرغام الآخرين على أمر يريده الفرد أو ترغب فيه الجماعة أو تفرضه مؤسّسة الدولة، ويبدأ من الاعتداء الشخصي وينتهي بالحرب، ويتّخذ العنف أشكالاً منها التحريض على الآخرين، أو إرغامهم على شيء، أو الاعتداء عليهم، وقد يكون العنف ناعماً كالكراهية والتعصّب والتحيّز والرقابة، وقد يكون خشناً كالاغتصاب أو الاعتقال أو القتل؛ فدائرة العنف تبدأ بمُمارسة الضغط، والإبعاد، والتهميش، والإقصاء، وتنتهي بالاعتداء الذي يؤدّي إلى أذىً بدنيّ، وقد يكون العنف جملة من الميولات الذهنية أو النفسية الرامية إلى الإذلال، والانتقاص، فيكون الأخذ به نتاج أفكار عدوانية لا تقرّ بحقوق الآخرين، ولا تعترف بهويّاتهم الفردية أو الجماعية، فيلجأ المُعتدي إلى التعسّف في فرض رغباته على المُعتدَى عليه.

العنف بين الطِّباع والزهو القوميّ

يتوزّع العنف على الأفراد والجماعات، وفيما يُعدّ عند الأفراد جزءاً من طبعٍ وغريزةٍ وهوىً، كما قال "فرويد"، يكون عند الجماعات تعبيراً عن زهوٍ قوميّ، أو كبرياء دينية، أو إفصاحاً عن وهْم الإيمان بمرويّاتٍ تقول بالتفوّق، والأفضلية، ورفعة الأصل. وقد تتداخل دوافع العنف الفردية والجماعية، في ظلّ إيديولوجيّات عدوانية، جعلت من العنف أداة لفرضها، كما هو الحال عند النازيّة والفاشيّة، وسائر حركات التطرّف الديني والمذهبي والعرقي. والغالب أن يقع اصطناع العنف بناءً على نظامٍ متلازم من الأطماع، والرغبات، والأهواء، التي تلتقط لها دعماً من الأديان والثقافات الحاملة للمعتقدات والتخيّلات، فتصبح مفرِّخة للعنف، ومُحرِّضة عليه، بل مشرِّعة له. فالعنف هو التعبير عن قدرة مؤذية يمتلكها الفرد أو الجماعة، غايتها الإضرار بالآخرين.

لم تتّفق الآراء حول حوافز العنف، ومكامنه، فقد يكون فطريّاً متأصّلاً في بني البشر الذين جُبلوا عليه، أو مُكتسَباً بالتنشئة التي يتلقّاها الناس في سياقٍ ديني واجتماعي وسياسي، فيصبح جزءاً من عاداتهم، وأعرافهم، وركناً في تنظيم علاقاتهم فيما بينهم، وفي علاقتهم بالآخرين، فيكون مبعثا للهَيبة، والحظوة، ووسيلة للإذلال، والامتهان. وبحسب أكثرية الباحثين في شأن العنف، لا يبرأ منه فرد كلّ البراءة، ولا تخلو أمّة من الأمم من اللّجوء إليه في وقت الشدّة للدفاع عن نفسها، أو في وقت الرخاء طمعاً في المجد، أو التوسّع، أو الاستئثار بالأرض وما عليها. وعلى الرّغم من ذلك، فقد جرت محاولات لا تُعدّ للحيلولة دون الإفراط به، إنّما بتهذيبه، ولجمه، لكي لا يعود حاضراً في كلّ نزاع أو نزوة، لكن ثبت أنّه يتعذّر نزع العنف، فهو ينحبس ثمّ يتفجّر بغتة لأيّ استفزاز حتّى لو كانت أسبابه مُختلقَة. فلم يتمكّن معتقدٌ دينيّ، أو تمدّن مجتمعيّ، أو قانونٌ وضعيّ، أو تنشئة تربوية، من لجمه باعتباره انفعالاً فردياً أو جماعياً، فهو يتفجّر حالما تخفّ الرقابة عليه، لأنّه استقرّ في الطباع كما قال فرويد، وأصبح جزءاً من الغريزة البشرية.

وليس بعيداً عن فرويد الذي رأى العنف لابِثاً في الطِّباع، ذهب "ماركس" إلى أنّ التاريخ في مجمل تحوّلاته قام على صراع بين الطبقات الاجتماعية، فالمجتمع ينتقل من حقبة إلى أخرى على قاعدة من العنف بين طبقاته، وينتهي التاريخ حينما يبلغ ذلك المجتمع حالاً غير طبقية يختفي فيها الصراع لعدم وجود طبقات، وتلك حال اليوتوبيا الماركسية. والقول بالعلاقة بين السلطة والعنف أمرٌ قال به "ماكس فيبر"، الذي جارى فرويد في أنّه من غير احتكار السلطة للعنف، فسينتهي المجتمع بالفوضى الأهلية.

وإذْ نظر كثيرون إلى العنف باعتباره نزوعاً عدوانياً ينبغي لجمه بوسائل تبدأ بالتربية وتنتهي بالعقاب، فقد منح آخرون العنف سمة التقدير حينما ربطوه بأفعال جماعية كالفتوحات الدينية، والغزوات العسكرية، والحملات التبشرية، بذريعة تحقيق أهداف كبيرة لا يدركها أولئك الذين وقع العنف عليهم، وظهر ذلك جليّاً في الحركات الجهادية، والحروب الدينية، وإلى ذلك فقد منح شرعية منقطعة النظير في حركات الاستقلال، وسوّغ الأخذ به في مقاومة الاستعمار، وقد افتتح "فرانز فانون" كتابه "معذّبو الأرض" بالقول " إنّ محو الاستعمار إنّما هو حدث عنيف دائماً". وشرح سارتر الخلفية المفسِّرة لممارسة العنف في المستعمرات الفرنسية، وسوّغ لأهلها الردّ بالعنف على الانتهاك الذي مارسته الإدارة الاستعمارية، مانحاً المظلوم حق الردّ بالعنف على الظالم.

وفي معالجته ظاهرة العنف استند "رينيه جيرار" إلى فرضيّة مؤدّاها "أنّ العنف ذو طبيعة محاكاتيّة"، فجعله قائماً في "أساس كلّ فكر دينيّ أو ثقافيّ"، فهو يلبث راسخاً في طيّات الوجدان الديني، أو التخيّلات الثقافية، وفي علاقة المرء مع نفسه، وفي الجماعة مع هويّتها، ويشيع بالمحاكاة القائمة على الرغبة، فيتمدّد في الوسط الاجتماعي، فلا يكاد ينجو أحد منه "لمّا كان البشر يميلون، بتأثير نزعتهم المحاكاتيّة، تلقائياً، إلى التعامل مع أعداء الآخرين كما لو أنّهم أعداؤهم الشخصيّون، فإنّ دائرة التبادل العنفيّ تشرع في الاتّساع منذ اللّحظة الأولى على وقع أعمال الثأر والانتقام التي تُنذر بتدمير الجماعة بأسرها"؛ فالعنف غول شرّه لا يرتوي من الدمّ مهما عبّ منه "إذا لم يقيّض له الارتواء مضى يبحث عن ضحيّة بديلة وخلص إلى تحقيق مبتغاه شأنه دائماً، حيث نراه، فجأة، يستبدل بالمخلوق الذي يثير غضبه مخلوقاً لا صفة له – ولا علّة- توجب حلول صواعق العنف به" (رينيه جيرار، العنف والمقدّس، 2009).

يقترح العنف لنفسه الضحايا بحسب حاجته في التعبير عن العدوانية الكامنة فيه، ولا يشترط في الضحية أن تكون هي العدو المقصود لممارس العنف، لأنّ العنف يطلب إشباعاً له حتّى لو كان الأبرياء موضوعاً له، وتلك متوالية خطيرة لا تضع حدّاً للعنف بل تُشرع له الأبواب، وبمرور الوقت يصبح الأبرياء هم ضحاياه، كما لوحظ ذلك في الحروب المذهبيّة، فما دام الظمأ للعدوان قائماً، وما دامت إمكانية استبدال الضحايا متاحة، فبعد المرحلة الأولى سوف يصبح الأبرياء هم موضوع الانتقام؛ لأنّ متوالية العنف لا تميّز بين متّهم وبريء بل غايتها الارتواء الذي يتعذّر إشباعه، فذلك هو نهم العنف الذي ينتهي به الأمر إلى ممارسة محاكاتية لا تؤدّي وظيفة بل تتذرّع بإرواء ظمأ لا يرتوي.

غير أنّ "حنّة أرندت" استهجنت تشريع العنف، وإباحته، واعتماده وسيلة للدفاع عن النفس، ونيل الحقوق، وتحقيق المطالب، بقولها: لو كان العنف ناجعاً، والأخذ به مفيداً، فسوف "يكون بوسع الثأر أن يصبح الترياق العجائبيّ الذي يداوي شرورنا كافّة"، فتلك الشعارات البرّاقة التي تدفع بها الانفعالات بهدف استرداد حقّ مُغتصَب، أو الحصول على مطلب عصّي "مجرّد تعبير عن مزاج عابر، أو عن جهل، أو عن نبل المشاعر لدى الشعب وقد تعرّض لأحداث لا سابق مماثل لها، من دون أن يكون له القدرة ما يمكّنه من التعامل معها عقليّاً"؛ ذلك أنّ "العنف لا يعزّز من شأن القضايا، ولا من شأن التاريخ، ولا من شأن الثورات، ولا من شأن التقدّم والتأخّر: لكن بإمكانه أن يفيد في إضفاء طابعٍ دراميّ على المَطاِلب وإيصالها إلى الرأي العامّ لافتاً نظره إليها"، فلا ينبغي أن يكون غاية بذاته لأنّه ينتهك أعراف الحياة، ويسلب الأرواح، ويدمّر الممتلكات، وقد لا يفضي إلى بدائل أفضل. وربطت "أرندت" بين العنف وأدواته، فلا يتعرّف العنف من غير وسائل تعبّر عنه "إنّ أدوات العنف قد تطوّرت تقنيّاً إلى درجة لم يعُد من الممكن معها القول إنّ ثمّة غاية سياسية تتناسب مع قدرتها التدميريّة، أو تبرّر استخدامها حاليّاً في الصراعات المسلّحة" (حنّة أرندت، في العنف، 1992).

لقد اتّخذ العنف طابعاً مؤسّسياً تجاوز هدف الانتصار على العدوّ، إلى التنكيل به، ومَحقه، وتدمير كلّ ما من شأنه إعادته إلى الحياة الطبيعية، كما حدث في أثناء الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003، وبما أنّه ما من عنف إلّا وله الأدوات التي يعبِّر بها عن نفسه، فقد وضع التقدّم التقنيّ نفسه في خدمة إنتاج وسائل العنف على مستوى الأفراد والأُمم.

 

*ناقد وباحث من العراق





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alaan.ma/news869.html
نشر الخبر : Administrator
عدد التعليقات :
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.