آخر الأخبار :

”مَملكة الزيتون والرماد“.. الأدب يُدين الاحتلال

”مَملكة الزيتون والرماد“.. الأدب يُدين الاحتلال

أفق - مدحت صفوت*

ما أن يُفتح الحديث عن هزيمة حزيران (يونيو) 1967، حتى تُثار شجون عديدة وجروح وندوب لا تزال آثارها ممتدّة حتّى اللّحظة الرّاهنة، آخرها قرار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الذي اعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونيّ، وهو ما أثار موجات استنكار دوليّة، ورفضاً عالميّاً وعربيّاً.

وبمناسبة مرور خمسين عاماً على الحدث الذي تتجلّى نتائجه في بقاء الضفّة الغربية وقطاع غزّة تحت نير الاحتلال الإسرائيليّ، توقّف عددٌ من المبدعين والروائيّين العالميّين أمام تأثيرات الاحتلال، مُحاولين فضْح مُمارسات "الكيان"تجاه الفلسطينيّين والعرب.

"لم نكُن نريد أن نعمل على هذا الكِتابلم نكُننريد أن نكتب أو نفكّر، بأيّ شكلٍ جديّ، بإسرائيلوفلسطين". بهذه العبارة تبدأ الكاتبة الأميركية"أيليت والدمانمقدّمتها لكِتاب "مملكة الزيتون والرمادالذي صدر منتصف العام 2017 باللّغة الإنكليزية عن دار نشر هاربر كولينز الأميركية، من إعدادها، وبمُشارَكة زوجها الكاتِب الأميركي مايكل شابون، وبُمشارَكة الروائيّ البيرويّ المعروف ماريو فارغاس يوسا (نوبل للآداب العام 2010) و20 كاتباً من أنحاء العالَم، فضلاً عن مقالات مُشاركة من ثلاثة كتّاب فلسطينيّين هُمرجاء شحادة، وعلاء خليل، وفدى جريس.

موضوع الاحتلال الإسرائيلي شائك ومعقّد بالنسبة إلى الكتّاب الغربيّين الذين يجرؤون على اجتياز الهوّة النفسانيّة المطلوبة كي يُواجهوا حقيقة مُمارسات الكيان، وهُم قلائل نسبيّاً، يأتي على رأسهم والدمان وشابون، اللّذان أخذا على عاتقهما تحرير مادّة ضخمة وصلت إلى 450صفحة من القطع المتوسّط، فضلاً عن الاتّفاق على ترجمته إلى عشر لغات أخرى، هي العربية، العبرية، الإسبانية، الإيطالية، الهولندية، البرتغالية، الألمانية، الفرنسية، المَجرية، التركية، البلغارية، صدر منها فعليّاً بالعبرية والعربية والألمانية والفرنسية والتركية، ومن المقرَّر أن تصدر نسخ الكِتاب بباقي اللّغات قريباًوقد لاقى الإصدار قبولًا عالميّاً كبيراً، ووصل إلى قائمة صحيفة "واشنطن بوستللكُتب الأكثر مبيعاً بعد أسبوعٍ واحد من صدوره.

وبسبب تعدُّد المرجعيّات للكتّاب المُشاركين في تأليف الكِتاب، تتباين الرؤى حول الاحتلال وأسبابه، وإن اتّفقوا على إدانته بدرجات متفاوتة، فـ"يوساالذي كان من أشدّ مُناصري الكيان الصهيونيّ يتحوّل، ولو بلغة "خجولة"، إلى إدانة الاستيطانوكان الروائي والسياسي الذي ترشَّح في انتخابات بلده الرئاسيّةالبيرو في العام 1990 عن كتلة يمينيّة، من أشدّ مُناصري إسرائيل في السبعينيّات من القرن الفائت، وبحسب تعبيره في مقالته في الكِتاب "كنتُأشعر بالأسى بسبب الهجوم المُتواصِل الذي تشنّهأحزاب اليسار، وحتّى بعض أحزاب الوسطواليمين على إسرائيل، التي رأيتُ فيها الدولةالوحيدة ذات التعدّدية والديمقراطية وحرّيةالتعبير في الشرق الأوسط، وكتبتُ وقلتُ الكثيردفاعاً عنها".

لكنّه في إحدى زياراتهإ ليها في العام 2005، يردف مؤلِّف رواية "حفلة التيسمُعترِفاً: " بدأتُأتغيّر، وأرى حقيقةَ أشياءٍ كثيرة". وعلى الرّغم من كتابه الذي صدر في حينه، "إسرائيل وفلسطينالسلام أو الحرب المقدَّسة"، والذي أعاد فيه التعبير عن إعجابه بإسرائيل، فإنّه بدأ يكتب عمّا يلحق بالفلسطينيّين تحت الاحتلال الإسرائيلي من ضيق وأذىً.. وخلال السنوات اللّاحقة، بدأ موقفه يتغيّر، ولو إلى درجة معيّنة، الأمر الذي جعل "والدمانتصف مقالة يوسا بـ"خَيبة الأمل، والمُتواضعة"، وما دفع فريق العمل إلى تجنّب الحديث عن مشاركته خلال فعاليّات إطلاق الكِتاب في الولايات المتّحدة وفلسطين المحتلَّة وعدد من الدول الأوروبية.

في "مَملكة الزيتون والرماديستهلّ ماريو فارغاس يوسا مقالته، "مشواري إلى الضفّة الغربيّةمجدّداً بتعداد ميزات إسرائيل وإعجابه بها، والفخر الذي شعر به حين حاز على جائزة القدس من الدولة العبرية، وأسفه على حال حكوماتها اليمينية المتشدّدة التي "ستُلحق الكثيرمن الأذى بديمقراطية إسرائيل ومستقبل البلاد".

ويُسارع إلى الدفاع عن نفسه والتأكيد أن آراءه وانتقاداته لسياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيّين مُماثِلة لآراء عشرات الآلاف من اليهود،وأنّه يُعارِض بشدّة المُقاطَعة الأكاديمية لإسرائيل!! ثمّ يستفيض حديثاً عن الاستيطان وعمّا شاهده في القرى الفلسطينية البائسة الخاضِعة لهجمات الجيش والمُستوطِنين وتنكيلهم، مثل " سوسيا وجنبا"، والوضع المروّع في الخليل، وينتقل إلى حيّ سلوان في القدس الشرقية ليرسم الصورة المُظلمة ذاتها عن انتشار الاستيطان ومعاداته الشرسة للسكّان العربوفي نظرة شمولية إلى الخريطة، يعترف يوسا بالحقيقة الجليّة، وهي أنّ إسرائيل أنشأت الاستيطان ودَعمَته لتقطيع أوصال الضفّة الغربية ومنْع التواصل الحرّ بين مُدنها، وبالتالي لإفشال أيّ مسعى لإقامة الدولة الفلسطينية، الذي يبدو كأنّما غدا مستحيلاً بالفعل على الرّغم من ادّعاءاتها الفارغة بأنّها تدعم هذا المسار للحلّ السياسييكتب الحائز على جائزة "سرفانتس للآداببأنّه يشعر بالاستياء والحزن لما آلت إليه الأوضاع في إسرائيل، التي "أصبحت دولة كولونياليّةمتعجرفة، بحكوماتها المتزايدة في التطرّفواليمينية، ما يسيء إلى صورتها الإيجابية، شبهالمثالية، التي تمتَّعَت بها طويلًا أمام العالَم"!

على الصعيد المقابل، ينبري بقيّة المُشاركين في الكِتاب لنقل الحقيقة وتصوير مُمارسات إسرائيل، ناقلين بلغة أدبية وعبر جماليّات التشكيل اللّغوي وتقنيّات السرد، الواقع الأليم والصُّور الغاضِبة بأقلامٍ واعية وضمير حيّولأنّ الكِتاب، على الرّغم من حسن نيّته، يرتكز على واقع احتلال إسرائيل للضفّة الغربيّة وقطاع غزّة ونتائجه، مُتجاهلًا، كما يفعل يوسا، تاريخ إقامة إسرائيل والخلفيّة التي ولّدت هذا الاستعمار.

تذهب المُشاركات في الكِتاب إلى رصد قصص العديد من الفلسطينيّين الذين يُكافحون لتحقيق طموحاتهم وآمالهم مع استمرار القيود أو الإهانات التي تفرضها قوّات الاحتلال الإسرائيلي، متوقّفاً (شابونأمام الفلسطينيّ سام بحور، الذي يصفه كـ"عملاق في قفص"، في إشارة إلى أنّ الضفّة " قفصيقف على بابه جنود صَهاينة.

هنا تعود الكاتبة الفلسطينية فدى جريس إلى هذا التاريخ وإلى النكبة، وتُلقي الضوء على شريحة مهمّة من الفلسطينيّين تعيش داخل الخطّ الأخضر،وتحمل الجنسيّة الإسرائيلية وتكوّن عشرين في المئة من سكّان الكيان.

بجرأة، تتوجّه جريس في مقالتها المُعنوَنة بـ"قصّة الاحتلال غير المُعلَن"، إلى فضْح المُمارسات العنصرية التي يُمارسها الاحتلال، سواء في الضفّة أم في أراضي 1948 المُحتلَّة، وتأثير ذلك على الفلسطينيّين أنفسهم، ومُواصَلة حكومات تل أبيب في سَنّ القوانين العنصرية ضدّهم، وعمليّات الـ "ترانسفيرالتي يتعرَّض لها الشعب، من دون أن يبدو على سكّان إسرائيل اليهود الكثير من الاكتراث، فقد تربّوا على مُعاداة العرب، وفي أحسن الأحوال، بحسب كلمات الكاتِبة " تَودّ الدولة أن نعمل في المطاعِملتحضير الفلافل والشاورما وأن نذوب فيالخلفيّة بعد ذلك".

جريس، التي انتقلت إلى رام الله منذ سنوات هرباً من المأساة الكبرى داخل الخطّ الأخضر، لاقَت مُشاركتها بالكِتاب رواجاً عالَميّاً، فهي المقالة الوحيدة في الكِتاب التي نُشرت في عدد كبير من الصحف العالمية وبلغات عدّة، مثل"لندن ريفيو أوف بوكسالبريطانية، ودَورية"بوبليكوالإسبانية، ومجلّة "أورينتالفرنسية، ومن المقرَّر نشرها في "ديرشبيغلالألمانية.

وتؤكّد جريس أنّ الاحتلالل لإسرائيلي الرّاهن للمناطق الفلسطينية ماهو إلّا جزء من العقيدة الصهيونية العنصرية وامتداد لها، فإسرائيل تُمارس العنصرية ضدّ الفلسطينيين أينماوجدوا،إنّما بأساليب مختلفة،

والحلّ الجذريّ للمسألة يتطلّب تفكيك الكيان العنصري وإقامة دولة واحدة علمانية تتضمَّن حقّ العودة وعدم التمييز على أساس الدين أو الجنس، وإن كنّا نقطن داخل الخطّ الأخضر أوخارجه، فإنّنا نعيش كلّ لحظة في هذه البلادونحن ندفع ثمن عدم كوننا يهوداً"!

وحسبما يقول الكاتِب الأميركي كاري نيلسون، وهو واحد من أشهر دعاة مُقاطَعة إسرائيل أكاديميّاً: "لا شكّ أنّ أولئك الذين لا يستطيعونالتسامُح مع الحديث عن الاحتلال لن يرونه بهذهالبشاعة، ولكنّ مَملكة الزيتون والرماد هي دعوةلتنبيههم حول جرائم الاحتلال وفظائعه".

*كاتب من مصر





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alaan.ma/news1319.html
عدد التعليقات :
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.