آخر الأخبار :

تراجيديا الهجرة حين تُربِك فرنسا وإيطاليا

تراجيديا الهجرة حين تُربِك فرنسا وإيطاليا

أفق - أسامة الغزّولي*
بعد شهور طويلة من إحراق مخيّم في كاليه الفرنسيّة كان يقطنه طالبو اللّجوء، عُرف باسم "الحَرَجَة" jungle de Calais (تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016)، أحدثت تصريحات صدرت عن السياسيّ المُدافع- على الرّغم من يمينيّته- عن حقوق الإنسان جاك توبون ما يشبه هزّة سياسيّة، عندما طالب سلطات بلاده بالكفّ عن "انتهاك أبسط حقوق" المُهاجرين في كاليه (حزيران/ يونيو 2017). بعد تصريحات توبون، الذي سبق له أن شغل منصب "حامل الأختام، وزير العدل"، أعلن رئيس الوزراء الفرنسيّ إدوارد فيليب عن خطّة جديدة لتأمين مُعالجات أفضل لقضايا اللّجوء والهجرة (12 تمّوز/ يوليو 2017)، تتضمّن تسريع إجراءات البتّ في طَلبات اللّجوء.

لكنّ نيويورك تايمز علّقت على إعلان رئيس الوزراء الفرنسيّ بإشارة إلى أنّ خطّته الجديدة تشمل أيضاً العمل على ترحيل الهاربين من العوز والمجاعة، المعروفين باسم "المُهاجرين الاقتصاديّين"، وردّ طالِبي اللّجوء منهم إلى آخر بلد أوربي جاؤوا منه، ما يعني في هذه الحالة إيطاليا.

لسنا بصدد تغطية إعلامية أو تحليلٍ إخباري لتطوّرات قضيّة الهجرة واللّجوء، لكنّنا نريد أن نومئ إلى تحوّل هذه القضيّة إلى لعبة في مضمارَيْ السياسات الداخلية والخارجية لبلدَين كبيرَين مثل فرنسا وإيطاليا. وهذه الأخيرة أزعجها احتمال أن تُعيد إليها فرنسا مُهاجرين ولاجئين، بقدر ما أزعجها أنّ فرنسا استبعدتها من "قمّة السلام في ليبيا" التي اعتبرها الإعلام الإيطالي "صفعة على الوجه" تلقّتها روما من باريس.

وتجدَّد التوتّر بين البلدَين، وربّما بين إيطاليا- التي قامت بتوقيف قارب إنقاذ تابع لجمعيّة أهلية ألمانية مَعنيَّة بغوث المُهاجرين واللّاجئين-  وكثرة من القوى الإقليمية والدولية الفاعِلة في المشهد اللّيبي، عندما بدأت إيطاليا "مهمّة بحريّة محدودة" قالت إنّها استهدفت "مُساعدة حرس السواحل اللّيبي على الحدّ من تدفّق المُهاجرين". بل وقوبلت تلك المهمّة بمُعارَضة ليبيّة تمثّلت بصُور البطل التاريخي عمر المختار التي ظهرت على جدران الأبنية في طرابلس وتحتها عبارة "لا لعودة الكولونياليّة"، وبتصريحات صدرت عن قوى عسكرية- سياسية في شرق ليبيا وعن البرلمان هناك، محذّرةً من "محاولات إيطالية… لإعادة عشرات الألوف من المُهاجرين غير الشرعيّين إلى ليبيا".

ونحن نركّز على ما يتّصل بإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، لأنّ ما استخلصناه من شهادات مُهاجرين عرب، نظاميّين وغير نظاميّين، ومنظّمات أهلية أوروبية وعربية مَعنيّة بالهجرة واللّجوء، يؤكِّد أنّ المُهاجِر من شمال إفريقيا والشرق الأوسط يمضي عبر محطّات رئيسة ثلاث هي إيطاليا، أوّل الطريق والاختيار الثالث لدى المُهاجر، وفرنسا، الاختيار الثاني، وألمانيا الاختيار الأوّل وغاية المراد، لكلّ مَن يعجز عن الوصول إلى أميركا الشمالية. وهذا لم يمنع أعداداً هائلة من المُهاجرين من الرضى بالبقاء في مالطة، أو في اليونان التي لا تكاد اليوم تطيق رؤية مُهاجرين جُدد، بعد أن تشبّعت بالمُهاجرين وبعد أن تدهورت أحوالها العامّة.

هذا الزحف، من السواحل الجنوبية والشرقية إلى السواحل الشمالية للمتوسّط، زادت كثافتَه بقوّة الأزماتُ في بلدان المنشأ  countries of origin في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفي إفريقيا تحت الصحراء، فزادت أعداد الهاربين من المنطقتَين بمعدّلات تهدِّد التركيب الديمغرافي لدول المقصد destination countries، وتهدِّد- إنْ اعتمدنا التفسيرات الرائجة لأعمال العنف الغامضة التي تتورّط فيها عناصر مهمَّشة من مُهاجري الجيلَين الأوّل والثاني في مختلف العواصم الغربية- بتصاعد العمليّات الإرهابية في الغرب.

وتغطّي المَخاوف الأمنية والديمغرافية على أمور بينها عدم كفاية المُساندة الدولية لجهود إغاثة المُهاجرين وطالبي اللّجوء واستيعابهم، ما حَمَّل دُولاً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما يفوق طاقتها من أعباء إيواء اللّاجئين واحتواء المُهاجرين النظاميّين وغير النظاميّين. وفوق ذلك، فالهواجس صارت أعلى صوتاً من الشعور بواجبٍ إنساني تجاه المُهاجرين واللّاجئين، وربّما أنست الكثيرين العلاقة القويّة بين الهجرة وبين التنمية، حتّى في غرب أوروبا المتقدّم.

في المقابل، سجّل بابا الفاتيكان فرنسيس موقفاً إنسانياً من المُهاجرين واللّاجئين وهو يغسل أقدام مجموعات منهم، طوال السنوات الماضية. وكانت بين هؤلاء مسلمة صربية، في العام 2013. ولا شكّ أنّ البُعد الإنساني في موقف البابا صار أكثر وضوحاً عندما صدرت عن الصحافة إشارات، انطوى بعضها على استنكار، إلى أنّ الحبر الكاثوليكي الأكبر كَسَر التقليد الذي يقضي بأن يغسل أقدام المسيحيّين دون غيرهم. ويبقى أن يستوعب العالَم الصناعي، على اختلاف شيعه، مقاصد الفاتيكان، فيتجاوز ما يُقابَل به المهاجرون واللّاجئون، في أحوال كثيرة، من نفور وريبة واضطهاد.

وإذا كان الأطفال يحتلّون مقدّم الصورة،  كلّما غسل البابا الأقدام في عيد الفصح، فهُم يحتلّون مقدّم الصورة أيضاً في مآسي الهجرة واللّجوء، وفي المجاعات والحروب الأهلية التي تتسبّب بمفاقمة هذه المآسي. هل يُمكن أن ننسى صورة الطفل الكردي السوري آلان؟ نعم. مُمكن جدّاً. فالحزن الجديد يزيح الحزن القديم، وقوّة الاعتياد على مآسٍ – تتكرّر بقوّة الكوارث والأزمات – تخفِّف من برحائه.

لكنّ الكوارث والأزمات ليستا وحدهما المسؤولتَين عن الزحف البشري الذي لا ينقطع، من الجنوب إلى الشمال. فالهجرات من لبنان ومصر وتونس والجزائر والمغرب متواصلة حتّى في فترات الازدهار والاستقرار النسبيّين. نعم الاضطرابات ترفع معدّلات الحركة باتّجاه مناطق أكثر ازدهاراً واستقراراً، لكنّ الهجرة تيّار لا ينقطع، على مرّ الأزمان. واثنتان من الديانات الأبعد أثراً على الحضارة الإنسانية، وهُما اليهودية والإسلام، تحتفيان بالهجرة كتجسيد للاعتزاز بحرّية الاختيار.

وهذا يذكّرنا- وبغضّ النّظر عن تحوّل دلالات هذا العيد عند المسيحيّين –  بأنّ الفصح في الثقافة اليهودية هو عبور إلى حياة جديدة، انتقال إلى أرض الميعاد. ونحن نتحدّث هنا عن السردية وليس عن التاريخ، وعن أرض الميعاد الرمزيّة وليس عن مواقع وأوضاع حدَّدتها برامج ومساومات وصفقات سياسية على خريطة منطقتنا.

وفي المقابل، يؤرّخ المسلمون للعالَم، منذ القرن السابع الميلادي، بيَوم خرج الرسول (ص) وصاحبه، كطليعة لمؤمنين فارّين إلى الله بدينهم، من مكّة إلى المدينة. وتكاد الهجرة، في بعض الأحوال، أن تصبح واجباً دينيّاً على المُسلم: ففي سورة النساء "إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كُنّا مُستضعفين في الأرض قالوا ألم تكُن أرض الله واسعة فتُهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيراً". (97). وتبدو هذه الآية أقرب إلى توصيف حالة المُهاجرين واللّاجئين هرباً من أزمات متباينة، طلباً لحياة أكثر أمناً وأصون للكرامة، وهو ما يختلف عن فهمٍ لهذه الآية جسَّده، في سبعينيّات القرن الماضي، تنظيم "جماعة المسلمين"، المعروف باسم "التكفير والهجرة"، ويجسِّده اليوم أصوليّون يريدون أن يفرضوا، بالقوّة، رؤيتهم للعالَم على المجتمعات التي تستضيفهم، في أوروبا وأميركا الشمالية.

وعلى الرّغم من أنّ من يُخطِئون في فهم هذه الآية الكريمة من المُهاجرين المسلمين قلّة قليلة، إلّا أنّ الصخب الإعلامي والسياسي يكاد يحوّلهم من قاعدة إلى استثناء. ويكاد هذا الصخب ذاته أن يغطّي على حقيقة أنّ من الأقطار العربية ما يتحمّل جانباً كبيراً من تبعات هذه الظاهرة ويوظّفه توظيفاً حقَّق، على الرّغم من سلبيّات لا تنكر، فوائد عظيمة لبلدان المقصد وبلدان المنشأ معاً، وللفرد المُهاجِر ومَن يعولهم. فالمملكة العربية السعودية احتلّت المركز الثاني، بعد الولايات المتّحدة، من حيث ضخامة التحويلات الموجَّهة من العمّال الأجانب المُقيمين فيها إلى بلدانهم الأصلية (تقرير البنك الدولي 2014). وكانت الإمارات تحتلّ المرتبة الخامسة، في العام 2013. وبلغت تحويلات المُهاجرين إلى عائلاتهم، وفق تقرير للبنك الدولي في العام 2016، قرابة 601 مليار دولار، حصلت الدول النامية على 441 ملياراً منها. ويُضاف إلى التحويلات مدخّرات العَمالة الوافِدة التي بلغت في ذلك العام 500 مليار.

وفي المقابل،  فإنّ مَن يُتابع التقارير الصحافية والمُتلفَزة يحسب أنّ أوروبا الصناعية تكاد تنهار تحت ضغط المُهاجرين واللّاجئين. لكنّ هذا لا يعني أنّ البابا فرنسيس، وهو يدعو للرفق بالمُهاجرين، هو صوتٌ صارخ في البرّية، أو أنّ نفور الرئيس الأميركي دونالد ترامب من "الأغيار" عَرَضٌ لمرض لم يوفِّر أحداً في العالَم الصناعي. ففي الغرب الصناعيّ ثمّة مَن يُدرِك المنافع الكبيرة التي تحقّقها الهجرة إلى بلدان المقصد. وها هي عالِمة الآثار في جامعة ليسترميريا غونزاليس روديريغيس، تُذَكِّر مواطنيها البريطانيّين بفضلها وبفضل أمثالها من المُهاجرين والمُهاجرات، بقولها "ساعَد المُهاجرون على تخليق بريطانيا. حان الوقت للاحتفاء بنا". وها هو عمدة باليرمو الإيطالية ليولوكا أورلاندو يستقبل كلّ سفينة تحمل مُهاجرين جرى إنقاذهم قائلاً: "مُرحّباً بكم، انتهت المرحلة الأسوأ، وأنتم الآن مواطنون في باليرمو" (الغارديان البريطانية 18 نيسان/أبريل2017) فمتى تحذو أوروبا كلّها حذوه؟ متى يعرف العالَم أنّ الحركة السلميّة العابِرة للحدود، لأفرادٍ يطلبون حياةً آمنة وكريمة، هي ظاهرة قديمة، جعلت الحياة أكثر جمالاً وثراءً في بلدان المقصد، كما في بلدان المنشأ؟

*كاتب ومُترجِم من مصر





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alaan.ma/news1011.html
نشر الخبر : Administrator
عدد التعليقات :
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.